كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
قَرَأَهُ الجمهورُ {قُبُلاً}. وقرأَه اثنانِ من السبعةِ {قِبَلاً} (¬١). أما على قراءةِ: {قِبَلاً} فهو مِنَ الْمُعَايَنَةِ. معنَى: {وحشرنا عليهم كل شيء قِبَلاً} أي: معاينةً وجهًا لِوَجْهٍ من غيرِ مواراةٍ بِشَيْءٍ (¬٢). وعلى قراءةِ {قُبُلاً} ففيهِ وَجْهَانِ (¬٣): أحدُهما: أن القُبُلَ جمعُ قبيل، أي: جماعات جماعات. كَأَنْ تَأْتِيَهُمُ الملائكةُ جماعاتٍ.
وقال بعضُ العلماءِ (¬٤): ظاهرُ قولِه {كُلَّ شَيْءٍ} أن تأتيَهم الملائكةُ قبيلاً، وكلُّ نوعٍ من أنواعِ الحيواناتِ قبيلاً قبيلاً، فأنطقَها اللَّهُ على خرقِ العادةِ، وكَلَّمَتْهُمْ، كُلُّ هذا لو وَقَعَ لَمْ يؤمنوا.
وكان بعضُ العلماءِ يقولُ (¬٥): {قُبُلاً} و {قِبَلاً} معناهما واحدٌ؛ لأن القُبلَ: هو ما تستقبله بوجهِكَ وتعاينُه. ومنه قيل لِمَا يستقبلُه الرجلُ من وجهِه: «قُبُل» وَلِمَا خَلْفَهُ «دُبُر» وعلى هذا القولِ فـ {قِبَلاً} و {قُبُلاً} معناهما واحدٌ، وعلى القولِ الثاني: أن (القُبُلَ) جمع قَبِيلٍ، والمعروفُ في فَنِّ التصريفِ أن (الفعيل) إذا كان اسْمًا يُجْمَعُ غالبًا على (فُعُل) كَقَذَال وقُذُل، وسرير وسُرُر وما جرى مَجْرَى ذلك (¬٦).
والمعنَى: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ} أي: جَمَعْنَا عليهم {كُلَّ شَيْءٍ} من جميعِ الأشياءِ قبيلاً
---------------
(¬١) وهما: نافع وابن عامر. المصدر السابق ص٢٠١.
(¬٢) انظر: حجة القراءات ص ٢٦٧, ابن جرير (١٢/ ٤٨ - ٤٩).
(¬٣) السابق.
(¬٤) انظر: القرطبي (٧/ ٦٦).
(¬٥) انظر: المصدر السابق.
(¬٦) انظر: التوضيح والتكميل (٢/ ٣٩٦).