كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} مفعولُ المشيئةِ محذوفٌ، والمعنَى: لو شَاءَ رَبُّكَ عدمَ فعلِهم إياه ما فعلوه، فالضميرُ في: {مَا فَعَلُوهُ} يرجعُ في أظهرِ الأقوالِ إلى: {زُخْرُفَ الْقَوْلِ} الذي يُوحُونَهُ إليهم، فزخرفُ القولِ الذي يوحونَه إليهم لو شاء رَبُّكَ ما فعلوه. والمعنَى: لو شَاءَ اللَّهُ لَكَفَّ شياطينَ الإنسِ والجنِّ عن غرورِ الناسِ وزخرفةِ الأقوالِ لها ليغروها، ولكن له (جل وعلا) في ذلك حكمتُه البالغةُ، يفتنُ خلقَه ليظهرَ المطيعُ من العاصي.
وقولُه: {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} ذَرْهُمْ: مَعْنَاهُ اتْرُكْهُمْ. وهذا الفعلُ لا يوجدُ منه في اللغةِ العربيةِ إلا الأمرُ والمضارعُ. تقولُ العربُ: «ذَرْ»، وتقول: «يذر». بالمضارعِ والأمرِ. ولَا يوجدُ من مادتِه فعلٌ ماضٍ ولا مصدرٌ، ولا اسمُ فاعلٍ ولا اسمُ مفعولٍ، فَمَاضِي (ذَرْ) هو قولك: «تَرَكَ». واسمُ فاعلِه: تَارِك، واسمُ مفعولِه: متروكٌ. ومصدرُه: التركُ. ولَا يُسْتَعْمَلُ منه إلا الأمرُ والمضارعُ (¬١). ومعنَى: {ذَرْهُمْ}: اتْرُكْهُمْ.
{وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)} (ما) منصوبةٌ لأنها مفعولٌ معه. ويحتملُ أن تكونَ مصدريةً (¬٢) والمعنَى: ذَرْهُمْ وافتراءَهم. وعلى أنها موصولةٌ فالمعنَى: اتْرُكْهُمْ والذي يفترونَه على اللَّهِ. وصيغةُ الأمرِ هنا إنما هي للتهديدِ، والمعنَى: خَلِّهِمْ وافتراءَهم فسيجدونَ غِبَّ ذلك، ويعلمونَ عاقبتَه الوخيمةَ. وقد تقررَ في فَنِّ الأصولِ في مباحثِ
---------------
(¬١) انظر: المفردات (مادة: وذر) ص٨٦٢، القرطبي (٧/ ٦٩)، الدر المصون (٢/ ٦٣٧).
(¬٢) انظر: الدر المصون (٥/ ١٧٧).

الصفحة 156