كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

الحارثِ بنِ أبِي شمر الغسانيَّ (¬١):
فَإِنْ تَحْيَا لَا أَمْلِكْ حَيَاتِي، وَإِنْ تَمُتْ ... فَمَا فِي حَيَاتِي بَعْدَ مَوْتِكَ طَائِلُ ...
فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ... وَغُودِرَ بِالْجَوْلَانِ حَزْمٌ ونَائِلُ

فقولُه: «آبَ مُضِلُّوه» يعنِي: رَجَعَ دَافِنُوهُ في قَبْرِهِ. (بعينٍ جَلِيَّةٍ) أي: بخبرٍ يقينٍ أنه قد مَاتَ. ومن هذا المعنَى: {وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ} [السجدة: آية ١٠] {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: آية ٢٤] أي: غَابَ وَاضْمَحَلَّ. وقولُ الشاعرِ (¬٢):
أَلَمْ تَسْأَلْ فَتُخْبِرْكَ الدِّيَارُ ... عَنِ الْحَيِّ الْمُضَلَّلِ أَيْنَ سَارُوا

يعنِي بالحيِّ المضللِ: الذين ذَهَبَتْ بهم الأيامُ والليالِي فَمَاتُوا وَغَابُوا.
ويطلقُ الضلالُ أيضًا في القرآنِ، وفي لغةِ العربِ على: الذهابِ عن معرفةِ حقيقةِ الشيءِ، فكلُّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ حقيقةَ شيءٍ تقولُ العربُ: «ضَلَّ». وهذا ليس من الضلالِ في الدينِ، وإنما هو الذهابُ عن علمِ معرفةِ الشيءِ. وهذا الإطلاقُ كثيرٌ في القرآنِ، ومنه على أَصَحِّ التفسيراتِ: قولُه تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى (٧)} [الضحى: آية ٧] أي: ذَاهِبًا عما تَعْلَمُهُ الآنَ من العلومِ والأسرارِ، فهداكَ إليه بالوحيِ؛ لأنه لا يُعْلَمُ إلا بالوحيِ. ومنه بهذا المعنَى: قولُ أولادِ يعقوبَ في حَقِّ أَبِيهِمْ: {إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)} [يوسف: آية ٩٥] {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (٨)} [يوسف: آية ٨] يعنونَ: لَفِي ذهابٍ عن حقيقةِ الأمرِ، حيث فَضَّلَ ابْنَيْنِ على عشرةِ بنينَ، وحيث
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (٣٩) من سورة الأنعام.
(¬٢) مضى عند تفسير الآية (٣٩) من سورة الأنعام.

الصفحة 197