كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
رَجَا يوسفَ أنه حَيٌّ وهو قد مَاتَ، فهو ذاهبٌ عن علمِ الحقيقةِ في زَعْمِهِمْ، ومن الضلالِ بهذا المعنَى: {لَاّ يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)} [طه: آية ٥٢] أي: لا يَخْفَى عليه عِلْمُ شيءٍ، ولا تذهبُ عليه حقيقةُ شيءٍ، ومنه بهذا المعنَى قولُه تعالى: {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} [البقرة: آية ٢٨٢] أي: تذهبُ عن علمِ حقيقةِ المشهودِ به بنسيانٍ ونحوِه {فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} وَمِنَ الضلالِ بهذا المعنَى قولُ الشاعرِ (¬١):
وَتَظُنُّ سَلْمَى أَنَّنِي أَبْغِي بِهَا ... بَدَلاً أَرَاهَا فِي الضَّلَالِ تَهِيمُ
يعني بالضلال: عدمَ معرفتِها للحقيقةِ حيث ظَنَّتْ أنه يبغي بها بَدَلاً، وهو لا يبغي بها بدلاً. هذه معانِي الضلالِ في القرآنِ وفي لغةِ العربِ.
وقولُه في هذه الآيةِ الكريمةِ: {يُضِلُّوكَ} هو من المعنَى الأولِ. أي: يُذْهِبُوكَ عن طريقِ الصوابِ إلى طريقِ الباطلِ، عن طريقِ الهدى إلى طريقِ الْجَوْرِ، وعن طريقِ الجنةِ إلى طريقِ النارِ.
وهذا معنَى قولِه: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: آية ١١٦] السبيلُ في لغةِ العربِ: الطريقُ (¬٢). وهي تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ، فَمِنْ تَأْنِيثِهَا في القرآنِ: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} [يوسف: آية ١٠٨] ولم يَقُلْ: «هذا سبيلي».
وَمِنْ تذكيرِها في القرآنِ: {وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} ... [الأعراف: آية ١٤٦] فَهِيَ من أسماءِ الأجناسِ التي تُذَكَّرُ
---------------
(¬١) السابق.
(¬٢) انظر: المفردات (مادة: سبل) ص٣٩٥.