كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

عليها، وقالَها إكراهًا وقلبُه مطمئنٌ بالإيمانِ لا يؤاخذُه اللَّهُ بها؛ لأن اللَّهَ قال كما يأتِي في سورةِ النحلِ: {إِلَاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ} [النحل: آية ١٠٦] وهذا معنَى قولِه: {إِلَاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}.
وقولُه: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ} قرأه القراءُ (¬١): {وإن كثيرًا ليَضلونَ} وقرأه الكوفيون (¬٢): {وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ} فعلى قراءةِ {يَضِلُّونَ} فالفعلُ لازمٌ لا مفعولَ له. والمعنَى: أنهم يَضِلُّون ويذهبونَ عن طريقِ الحقِّ. وعلى قراءةِ الكوفيين {يُضلون} فهو متعدٍّ للمفعولِ، والمفعولُ محذوفٌ. والمعنَى: كثيرًا من الناسِ ليُضلون الناسَ عن طريقِ الحقِّ بأهوائهم (¬٣). وحَذْفُ المفعولِ إذا دَلَّ المقامُ عليه سائغٌ أسلوبٌ عربيٌّ معروفٌ مشهورٌ.
{بِأَهْوَائِهِم} الأهواءُ: جمع الهوَى، وأصلُ الهوى: (هَوَيٌ) بواوٍ وياءٍ، اجتمعَ فيه موجبَا إعلالٍ فوقعَ الإعلالُ في الحرفِ الأخيرِ الذي هو الياءُ على القاعدةِ الأغلبيةِ (¬٤).
وأصلُ (الهوى) في لغةِ العربِ ميلُ النفسِ. وكثيرًا ما يُطْلَقُ على ميلِها إلى ما لَا ينبغي (¬٥)، وربما أُطْلِقَ نادرًا على مَيْلِهَا لِمَا ينبغي (¬٦).
---------------
(¬١) وَهُمْ: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر.
(¬٢) وَهُمْ: عاصم، وحمزة، والكسائي. انظر: السبعة ص ٢٦٧.
(¬٣) انظر: حجة القراءات ص٢٦٩، الدر المصون (٥/ ١٣٠).
(¬٤) مضى عند تفسير الآية (٥٦) من سورة الأنعام.
(¬٥) السابق.
(¬٦) انظر: جامع العلوم والحكم (٢/ ٤٣٨).

الصفحة 222