كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

الظَّالِمِينَ بَعْضًا} (¬١) يريدُ أن معناها عندَه: أن اللَّه ينتقمُ من بعضِ الظالمين ببعضٍ. هذا جلُّ أقوالِ العلماءِ في معنَى: {نُوَلِّي}.
وَأَمَّا (الظالمين) فهو جمعُ تصحيحٍ للظالمِ، والظالمُ: اسمُ فاعلِ الظلمِ، والظلمُ في لغةِ العربِ: هو وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه، وكلُّ مَنْ وَضَعَ شيئًا في غيرِ موضعِه فهو ظالمٌ في لغةِ العربِ (¬٢)، ومنه يقولونَ للذي يضربُ لَبَنَه قبلَ أن يروبَ: هذا ظَالِمٌ؛ لأنه وَضَعَ الضربَ في غيرِ مَوْضِعِهِ؛ لأن ضَرْبهُ قبلَ أن يروبَ يُضَيِّعُ زُبْدَهُ، وفي لُغَزِ الحريريِّ (¬٣) في مقاماتِه: هل يجوزُ أن يكونَ القاضِي ظَالِمًا؟ قال: نَعَمْ إذا كان عَالِمًا. يعنِي بِكَوْنِهِ ظَالِمًا: أنه يضربُ لَبَنَهُ قبلَ أن يروبَ. وهذا المعنَى مطروقٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشاعرِ (¬٤):
وَقَائِلَةٍ: ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائِي ... وَهَلْ يَخْفَى عَلَى الْعَكَدِ الظَّلِيمُ؟

(ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائِي) تعني: أنها ضَرَبَتْهُ لهم فشربوه قبلَ أن يروبَ. وقولُه: «وهل يَخْفَى على العَكَدِ الظليمُ» العَكَدُ: عَصَبُ اللسانِ، لَا يخفَى عليه اللبنُ المضروبُ قبلَ أن يروبَ من غيرِه. ومنه بهذا المعنَى قولُ الآخَرِ في سقاءٍ له فيه لَبَنٌ (¬٥):
وَصَاحِبِ صِدْقٍ لَمْ تَرِبْنِي شَكَاتُهُ ... ظَلَمْتُ وَفِي ظُلْمِي لَهُ عَامِدًا أَجْرُ
---------------
(¬١) انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٢٢).
(¬٢) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة.
(¬٣) السابق.
(¬٤) السابق.
(¬٥) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة.

الصفحة 258