كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

نَجَى؟ وهذا معنَى قولِه: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ}. قال بعضُ (¬١) علماءِ التفسيرِ: كُلُّ فعلٍ مضارعٍ في القرآنِ مجزومٍ بـ (لم) إذا تَقَدَّمَتْهُ همزةُ الاستفهامِ؛ فيه وجهانِ معروفانِ من التفسيرِ في جميعِ القرآنِ:
أحدُهما: أن الاستفهامَ استفهامُ تقريرٍ، وهو الظاهرُ في هذه الآيةِ. ومعنى استفهامِ التقريرِ: هو الاستفهامُ الذي لا يريدُ الْمُخَاطِبُ به أن يُفْهِمَ الشيءَ، وإنما يريدُ أن يَحْمِلَ المخاطَب على أن يُقِرَّ ويقولَ: بلى، ويقرَّ بالحقيقةِ، كقولِ جريرٍ لعبدِ الملكِ بنِ مروانِ (¬٢):
أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا ... وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ

مقصودُ جريرٍ أن يقولَ عبدُ الملكِ: بلى، فيقول: هذه [منزلتُكم] (¬٣) ما دمتُم بهذه المثابةِ، هذا قَصْدُهُ.
الثاني: أن يَخْتَلِجَ المُضَارَعَةَ مَاضَوِيَّةٌ، وينقلب النفيُ إثباتًا، فيصيرَ المضارعُ المنفيُّ بـ (لم) معناه الماضي المُثْبَت، كقولِه: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)} [الانشراح: الآية ١] معناه: شَرَحْنَا لكَ صدركَ، وقولِه: {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (٨)} [البلد: الآية ٨] جَعَلْنَا له عينين، {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} أَتَاكُمْ رسلٌ منكم.
وطالبُ العلمِ يعرفُ أن انقلابَ المُضَارَعَةِ ماضَوِيَّةً أنه هنا واضحٌ لا إشكالَ فيه؛ لأن لفظةَ (لم) حرفُ قَلْبٍ، تقلبُ المضارعَ من معنَى الاستقبالِ إلى معنَى
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (٥٣) من سورة الأنعام.
(¬٢) السابق.
(¬٣) في هذا الموضع كلمة غير واضحة، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.

الصفحة 265