كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
معناهما واحدٌ، وكذلك قراءةُ حمزةَ والكسائيِّ: {مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ} يجوزُ فيه التذكيرُ بأمرين:
أحدُهما: أن العاقبةَ تأنيثُها مَجَازِيٌّ، والتأنيثُ المجازيُّ إذا كانت (الفَاعِلَة) تأنيثُها مَجَازِيًّا جَازَ في الفعلِ التذكيرُ والتأنيثُ (¬١).
الثاني: أنه فَصَلَ بَيْنَ الفعلِ وفاعلِه فَصْلٌ، وهو قولُه: {مَنْ تَكُونُ لَهُ} والفَصْلُ بَيْنَ الفعلِ وفاعلِه يُسَوِّغُ تذكيرَ الفعلِ، ولو كان فاعلُه مؤنثًا حَقِيقِيًّا، كما هو معروفٌ في علمِ النحوِ (¬٢).
ومعنَى الآيةِ الكريمةِ: أن الله (جل وعلا) أَمَرَ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - أن يهددَ الكفارَ تَهْدِيدًا عظيمًا بأُسلوبٍ لطيفٍ في غايةِ الإنصافِ واللطافةِ، مع اشتمالِه على أعظمِ التهديدِ، وأشنعِ التخويفِ، وهو قولُه: {قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ}. {يَا قَوْمِ اعْمَلُوا} أصلُه: (يَا قَوْمِي) حُذِفَتْ ياءُ المتكلمِ، وحَذْفُ ياءِ المتكلمِ اكتفاءً بالكسرةِ لغةٌ فُصْحَى مُطَّرِدَةٌ في القرآنِ وفي لغةِ العربِ (¬٣).
وقد قَدَّمْنَا (¬٤) أن (القومَ) اسمُ جمعٍ لا واحدَ له مِنْ لَفْظِهِ، وأن معناه في لغةِ العربِ: جماعةُ الرجالِ دونَ النساءِ، وأن النساءَ رُبَّمَا دَخَلْنَ في اسمِ (القومِ) تَبَعًا. أما الدليلُ على أن لفظَ (القومِ) في النطقِ العربيِّ يختصُّ بالرجالِ دونَ النساءِ: فقولُه تعالى في الحجراتِ: {لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ}
---------------
(¬١) انظر: حجة القراءات ص ٢٧٢، الكليات ٨١٨.
(¬٢) راجع ما تقدم عند تفسير الآية (٤٨) من سورة البقرة.
(¬٣) مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة البقرة.
(¬٤) مضى عند تفسير الآية (٨٠) من سورة الأنعام.