كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

فالمنطوق به المجَازَاةُ بمثقال ذرة، والمسكوت عنه المجازاة بمثقال الجَبَل، ولا شك أن هذا المسكوت عنه أولى بالحكم -الذي هو المجازاة- من المنطوق به، ونفي الفارق مُحَقَّق.
الثاني: أن يكون المسْكُوتُ عَنْهُ مُسَاوِياً للمنطوق به في الحكم، ونفي الفارق بينهما مُحقَّق؛ كالتنصيص على لحم الخنزير، والسكوت عن شحمه، ولا فرق بين لحمه وشحمه؛ لأنه كله رجس، وحكم شحمه حكم لحمه.
ومن أمثلته في القرآن: قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} [النساء: الآية ١٠] فالمنطوق به أكل مال اليتيم، والمسكوت عنه إغراقه في البحر، وإحراقه بالنار، ولا شك أن إحراق مال اليتيم، وإغراقه أنه حرام، لا فارق بينه وبين أكله، ونفي الفارق هنا مُحَقَّق.
وكقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ} [النور: الآية ٢٣] فإن الآية إنما نَصَّتْ عَلَى أن يكون القاذِفُونَ ذكوراً، والمقذوفات إناثاً؛ لأنه قال: {الَّذِينَ يَرْمُونَ} بصيغة الذكور، ثم قال: {المُحْصَنَاتِ} بصيغة الإناث، فمنطوق الآية: أن يكون القاذف ذكراً، والمقذوف أنثى، وقد أجمع العلماء على أنه لا فرق في ذلك بين قذف الذكر للذكر، وقذف الأنثى للأنثى، وقذف الأنثى للذكر، وقذف الذكر للأنثى، فهذا المسكوت مُلْحَقٌ بهذا المنطوق به إجماعاً، ومحاولة ابن حزم أن يجيب عن هذه الآية، قال: قوله: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ} [النور: الآية ٢٣]، أي: يرمون الفروج المحصنات، فشمل فروج الرجال والنساء، فلم يكن فيه إلحاق، مردودٌ؛ لأن المحصنات في لغة القرآن لم تطلق على الفروج قط، وإنما تطلق على النساء، كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ المُؤْمِنَاتِ} [النور: الآية ٢٣] فهل يمكن قائلاً

الصفحة 370