كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
أن يقول: إن الفروج مؤمنات غافلات؟ هذا مما لا يقوله أحد.
ومن هذا: أن الله تبارك وتعالى نَصَّ في سورة البقرة على أن الرَّجُلَ إِنْ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثلاثاً، ثم تزوجت زوجاً بعده -وبيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشتراط أن يجامعها ذلك الزوج- ثم طَلَّقَهَا هذا الزوج الثاني بعد أن جَامَعَهَا حَلَّت على الأول، وإنما نصَّ على الطلاق وحده، ولم يتكلم على ما لو مات عنها إذا كانت مطلقة ثلاثاً، ثم تزوجت زوجاً جامعها وأحلَّها، ثم مات الزوج الأخير ولم يطلقها، فإن الله لم يقل: إنه إذا مات تحل للأول، ولكن قال: {فَإِن طَلَّقَهَا} يعني: الزوج الثاني بعد أن جامعها {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [البقرة: الآية ٢٣٠] أي: على المرأة المبتوتة التي كانت حراماً، والزوج الأول الذي بَتَّهَا أن يَتَرَاجَعَا؛ لأنها حلت لوطء الثاني، وطلقها الثاني، ولم يتكلم هنا على ما إذا مات عنها الزوج الثاني بعد أن جامعها، وقد أجمع العلماء أن موته عنها كطلاقه، وأمثال هذا كثيرة.
الوجه الثالث: أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به، ولكن نفي الفارق بينهما مظنون ظنّاً قويّاً مزاحماً لليقين، ومن أمثلته في السنة: ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن التضحية بالعوراء (¬١)، فالمنطوق به هنا منع التضحية بالعَوْرَاءِ، والمسكوت عنه مَنْع التضحية بالعمياء التي هي عمياء العينين؛ لأنها أولى بالحكم من المنطوق بها؛ لأن العوراء عميت لها عين واحدة، والعمياء عميت عيناها معاً، فالعمياء مسكوت عنها في الحديث، وهي أولى بالحكم من المنطوق به التي هي العوراء، ونفي الفارق هنا مظنون ظنّاً قويّاً مزاحماً لليقين، وقد يظهر لطالب العلم أن نفي
---------------
(¬١) مضى تخريجه عند تفسير الآية (٥٠) من سورة الأنعام.