كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
الجواب لو أجاب به ابن حزم لكان مقبولًا (¬١)، وهو مذهب مالك -أن [اللحم] أعم من [الشحم] (¬٢) - ولذا لو حلف في مذهب مالك لا يأكل اليوم لحماً فأكل شحماً فإنه يحنث، بخلاف ما لو حلف لا يأكل شحماً وأكل لحماً أحمر غير شحم فإنه لا يحنث (¬٣)؛ لأن وجود الأعم لا يستلزم وجود الأخص، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، كما هو معروف (¬٤).
والحاصل أن العلماء مُجْمِعُونَ على إلحاق النَّظِير المسكوت عنه بالنظير المنطوق به، وأنه من الحق، وأنه غير مسكوت عنه، بل النص يدل عليه، فمن قال لك: لا تقل لوالديك أف. فكأنه قال لك من باب أولى: لا تضربهما. ومن قال -مثلاً- لك: لا تُضَحِّ بِعَوْرَاء، فكأنه قال لك: لا تُضَحِّ بالعَمْيَاءِ مِنْ بَابٍ أوْلَى، وهكذا، وهذا معنى قوله: {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ}.
الله (جل وعلا) حرم هذه الأشياء التي هي: الميتة، والدم، ولحم الخنزير. ومعروف أن الله لا يحرم شيئاً إلا لحِكمَة، ولا يحرم شيئاً إلا للضرر، فقد يهتدي بعض الناس إلى حِكْمَة ذلك الشيء، وقد يعجز البشر عن إدراكها، فالله (جل وعلا) محيط علمه بكل شيء، ولا يُحَرِّمُ إلَّا لحِكْمَةٍ، لا يحرِّم شيئاً إلا وهو متضمِّنٌ أضْرَاراً عظيمة، وهذه الأضرار قد يتحَصَّلها البشر، وقد يعجز عنها إدراك البشر؛ لأن علم الخالق (جل
---------------
(¬١) انظر أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٥٤)، القرطبي (٢/ ٢٢٢).
(¬٢) في الأصل: «أن الشحم أعم من اللحم». وهو سبق لسان.
(¬٣) انظر: القرطبي (٢/ ٢٢٢).
(¬٤) انظر: البرهان للزركثسي (٣/ ٤٠٢)، الإتقان (٣/ ٢٣٢)، الكليات ٨٨٩، قواعد التفسير (٢/ ٥٢١).