كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

الذي اختاره الله لهذه الأمة، وجعلها به خير أمةٍ أخرجت للناس- بُعث بالحنيفية السمحة، ورُفعت عنه التكاليف والآصار والأثْقَال التي كانت على مَنْ قَبْلَهُ، فَجَاءَ بها سهلة حنيفيَّةً سَمْحَة، إذا اضطر الإنسان إلى هذا الحَرَامِ رُخِّصَ له فيه، كَمَا قَدَّمْنَا إيضَاحَهُ، وأنَّهُ عام في كل ما دعت الضرورة الملْجِئَة إليه في قوله في هذه السورة الكريمة: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: الآية ١١٩].
قرأَهُ بَعْضُ السبعة في جميع القرآن: {فَمَنِ اضْطُرَّ} بكسر النون، كما قرأه عاصم وأبو عمرو وغيرهما، وأكثر القراء: {فمنُ اضْطُرَّ} وهذا في كل ساكنين بعدهما ثالث مضموم، فإنه في جميع القرآن يُقْرَأ بالْكَسْر، على عادة التخلص من التقاء الساكنين بكسر الأول، والضم إتْبَاعاً للضَّمَّة بضمة الطاء في قوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ} (¬١).
والطاء في قوله: {اضْطُرَّ} أصلها مُبدَلَة مِنْ تَاء الافتعال، وأصل حروف الكلمة الأصلية: (ضَرَرَ). ففاؤها ضاد، وعينها راء، ولامها راء: (ضَرَرَ)، فدخل عليها تاء الافتعال، كما تقول في قرب: اقترب. وفي كسب: اكتسب، وفي ضرر: اضْترر (¬٢)، والمُقَرَّر في علم النَّحْوِ: أن تاء الافْتِعَال إذا جاءت بعد حرف من حروف الإطباق؛ كالصاد، والطاء، والضاد أنها تُبْدل طاءً (¬٣)، فأبدلت تاء الافتعال
---------------
(¬١) انظر: السبعة لابن مجاهد ١٧٤ - ١٧٦، الكشف لمكي (١/ ٢٧٤ - ٢٨٠).
(¬٢) مضى عند تفسير الآية (١١٩) من سورة الأنعام.
(¬٣) السابق.

الصفحة 381