كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

فيقطع عليهم الطريق، ويخيفها عليهم، وعلى هذا القول فالبَاغِي: الخارج عن طاعة الإمام، والعادي: الذي يخيف الطريق، ويقطع الطريق على الناس، لا يباح لهم أكل الميتة؛ لأن هؤلاء غالباً هم الذين يضطرون إلى الميتات؛ لأنهم لا يقدرون أن يخالطوا الناس فيشتروا منهم زاداً ولا طعاماً، فيضطرون غالباً إلى الميتات، وعلى هذا فمن كان خارجاً عن طاعة إمام المسلمين، أو قاطعاً طريق المسلمين، مخيفاً لها، لا يجوز له الأكل من الميتة إلا أن يتوب، فإن لم يتب فلا يجوز له الأكل ولو مات، فلو قيل: كيف تبيحون له ترك الأكل ولو مات؟ قالوا: لأنه قادر على أن يبيح ذلك بالتوبة، وهو الذي أصرَّ وامتنع أن يتوب إلى الله، فلو تاب إلى الله أجاز له ذلك.
وأجاز الإمام مالك وأصحابُهُ أكْلَ الميتة للمضْطَرِّ، ولو كان قاطع طريق، أو خارجاً على الإمام، لأنهم فسَّرُوا الباغي والعادي بتفسير غير هذا، قالوا: {غَيْرَ بَاغٍ} أي: غير باغٍ: مُتَشَهٍّ لأكل الميتة وهو قد يجد غِنىً عنها، {وَلَا عَادٍ} أي: جاوز إلى الحرام، وهو في غِنىً عنه بالأكل بالحلال، وعلى هذا التفسير فهي كالتكميل لقوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ} والقول الأول أولى؛ لأن التأسيس مقدم على التأكيد (¬١).
وقال بعض العلماء: {غَيْرَ بَاغٍ} أي: باغٍ مُتَشَهٍّ في نيل الحرام {وَلَا عَادٍ} أي: مجاوز قَدْر سَدِّ الرَّمَقِ إلى الشبع، إلى آخر الأقوال التي قَدَّمْنَاهَا في البقرة. هذا معنى: {غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ}.
---------------
(¬١) في هذه القاعدة انظر: البحر المحيط للزركشي (٢/ ١١٧، ١٢٠)، شرح الكوكب المنير (١/ ٢٩٧) شرح مختصر الروضة (٣/ ٧٤٧ - ٧٤٨)، أضواء البيان (٣/ ٣٥٥)، (٥/ ٧٥٩)، (٦/ ٢٤٤ - ٢٤٥، ٦٩٢)، (٧/ ٤١٤، ٨٢١).

الصفحة 385