كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
السيئات، قال: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ} المراد بالذين هادوا هنا: اليهود، والعرب تقول: «هاد يهود» إذا تَابَ مِنْ ذَنْبِهِ ورجع إلى الصواب، وهذا معروفٌ في كلام العرب، ومنه قول الله في الأعراف عن نبيه موسى: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: الآية ١٥٦] أي: تبنا ورجَعْنَا منيبِين إليك. فمعنى (هاد، يهود): إذا رجع تائباً إلى الحق، مُتَنَصِّلاً مِنْ ذَنْبِه (¬١)، واسم فاعله: (هائد)، ويُجمع على (هُوْد)، ومنه: {كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى} [البقرة: الآية ١٣٥] وجَمْعُ (الفاعل) على (فُعْل) مسموعٌ في أوزانٍ قليلة، كهائدٍ وهُود، وحائلٍ وحُول، وعَائِذٍ وعُوْذ، وبَازِلٍ وبُزْل (¬٢). وقد قال بعض الأدباء (¬٣):
يَا صَاحِبَ الذَّنْبِ هُدْ هُدْ ... وَاسْجُدْ كَأَنَّكَ هُدْهُدْ
فقوله أولاً: «هُدْ، هُدْ» معناه: تُبْ، تُبْ. «واسجد كأنك هُدْهُدْ» وهو الطائر المعروف. يعني: وإنما قيل لليهود: {الَّذِينَ هَادُواْ} لأنه في تاريخهم توبة عظيمة سَجَّلَهَا لهم القرآن، وهي توبتهم من عبادة العِجْلِ، لما رَجَعَ موسى مِنَ المِيقَاتِ من الطور، ووجدهم يعبدون العجل، جاء الوحي بأنَّ اللهَ لا يقبل توبة أحدٍ منهم
---------------
(¬١) انظر: الدر المصون (١/ ٤٠٥).
(¬٢) انظر: السابق (٢/ ٦٩)، والحائل: الأنثى التي لم تحمل (المصباح المنير، مادة: حول، ص٦٠). والبازل: البعير الذي فَطَرَ نابُه بدخوله في السنة التاسعة (المصباح المنير، مادة: بزل، ص ١٩).
(¬٣) نسبه المرزوقي للزمخشري كما في شواهد الكشاف ص ٢٩. وهذه النسبة غير صحيحة؛ لأن الزمخشري حينما أورده في الكشاف (٢/ ٩٦) قال: «ولبعضهم» وذكره. وأوله: «يا راكب ... ».
الصفحة 387