كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
تعني: الجلوس، يزعم ابن مالك أن هذا لا يجوز (¬١). وقال بعض العلماء: هي مفعول أول لـ (جزيناهم)؛ لأن (جزى) تتعدى لمفعولين، تقول: جزيت عمراً خَيْراً، وجزيته شرّاً، فتكون (ذلك) أحد مفعولي (جزى)، أي: جَزَيْنَاهُمْ ذلك الجزاء بِبَغْيهِمْ، فتكون مفعولاً به مقدَّماً، وعليه فلا إشكال.
والبغي: أصله الإرادة (¬٢)، وكثيراً ما يستعمل في إرادة الظّلم.
وقوله: {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} صيغة الجمع للتعظيم، والله يقول: إني لصادق. معظماً نفسه، ومعلوم أن الله صادق على كل حال {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً} [النساء: الآية ١٢٢]، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً} [النساء: الآية ٨٧]. والسبب في هذا أن اليهُودَ زعَمُوا أن هذا الذي حُرِّمَ عليهم لم يكن جزاءً ولا عُقُوبَة، بل إنما كان حَرَاماً على إسرائيل، حَرّمَه إسرائيل على نفسه فاقتدوا به (¬٣)، وقد تقدم أن الله أكذبهم في هذه الدعوى وألقمهم فيها حجراً في سورة آل عمران، في قوله: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)} [آل عمران: الآية ٩٣] فلما أفحمهم وقال: {قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} خجلوا ولم يأتوا بالتوراة، وعلموا أن القرآن مهيمنٌ على الكتب، كما قال: {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} [المائدة: الآية ٤٨] ولذا قال هنا: {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} فِيما ذَكَرْنَا مِنْ أنَّا حَرَّمْنَا عليهم ذلك لظلمهم، لا أنه حَرَّمَهُ إسْرَائِيل على نفْسِه،
---------------
(¬١) انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٤٥)، الدر المصون (٥/ ٢٠٨).
(¬٢) انظر: المفردات (مادة: بغى) ١٣٦.
(¬٣) انظر: ابن جرير (١٢/ ٢٠٦).