كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
[النساء: الآية ١٥٩] التحقيق أنه عيسى، والمعنى: أنهم يؤمنون بعيسى قبل موت عيسى بعد نزوله، هذا التفسير هو الصحيح، وسياق القرآن يدل عليه، والأحاديث المتواترة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تَدُلّ عليه، والدليل على أنه سياق القرآن: أن الله قال: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ} أي: عيسى {وَمَا صَلَبُوهُ} أي: عيسى {وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ} أي: عيسى {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} أي: عيسى {بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ} أي: عيسى {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} [النساء: الآيات ١٥٦ - ١٥٩] أي: عيسى، لتكون الضمائر على نسقٍ واحد (¬١).
أما الرواية الأخرى التي جاءت عن ابن عباس أن المعنى: لا أحَدَ مِنْ أهْلِ الكتاب إلا يؤمن بعيسى قبل مَوْتِ أحَد أهل الكتاب، لا قبل موت عيسى، وأنهم قالوا لابن عباس: إذا قُطع رأسه غفلة فأين له أن يؤمن به قبل موته؟ وأنهم زعموا أنه قال: ينطق لسانه بعد أن فارق رأسُهُ جُثَّتَه بالإيمان بعيسى (¬٢).
هذا لا يخفى ضعفه وبطلانه، وعدم مساعدته على سياق القرآن، وكم من كِتَابِيٍّ يموت فجأة لا يؤمن بعيسى؟! فالتحقيق هو الأول، وقد دلت عليه الأحاديث المتواترة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
---------------
(¬١) انظر: أضواء البيان (٧/ ٢٦٣ - ٢٦٥)، قواعد التفسير (١/ ٤١٥).
(¬٢) هذا القول ثابت عن ابن عباس (رضي الله عنهما) من وجوه وطرق متعددة. وقد أخرج جملة منها ابن جرير في التفسير (٩/ ٣٨٢ - ٣٨٦)، وابن أبي حاتم (٣/ ١١١٣ - ١١١٤) وذكرها ابن كثير (١/ ٥٧٦ - ٥٧٧).
وقال: «فهذه كلها أسانيد صحيحة إلى ابن عباس. وكذا صح عن مجاهد، وعكرمة، ومحمد بن سيربن، وبه يقول الضحاك، وجويبر» اهـ.