كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

[٢٠/أ] نعم يبقى لطالب العلم هنا سؤال معروف وهو أن يقول:/ إن الله قال: {إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} [آل عمران: الآية ٥٥] فيقول: إن الله قال: إنه مُتَوَفِّيك، وقال بعد ذلك: {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} فهذا دليل على أنه توفاه، وقوله: {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} [المائدة: الآية ١١٧]. أما قوله: {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} فلا يستدل به إلا جاهل؛ لأن هذا من كلام عيسى يوم القيامة، ومعلوم أنه لا يأتي يوم القيامة إلا وقد مات عيسى، وإن كان حيّاً إلى آخر هذه الأمة؛ لأن ذلك يوم القيامة، يقول الله له: {يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي} إلى أن قال: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} [المائدة: الآيتان ١١٦، ١١٧] كل هذا قوله يوم القيامة، ومعلوم أنه يوم القيامة لا بد أن يكون تَوَفَّاهُ الله، بَل آية المائدة هذه تدل على أنّ توفيه الذي توفاه به ليس قبض روح؛ لأنه لم يقابله بالحياة؛ لأنه قال: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ} ولم يقل ما دمت حيًّا، وقابل ديمومته فيهم بقوله: {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} فَعَلِمْنَا أنها وفاة جسد وروح لا وفاة روح فقط، إذ لو كانت وفاة روح لما قابلها بقوله: {مَّا دُمْتُ فِيهِمْ} ولقابلها بقوله: «ما دمت حيًّا»؛ لأن الذي يُقابل بوفاة الروح إنما هو الحياة كما قال: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً} [مريم: الآية ٣١] ولم يقل: ما دمت فيهم.
والجواب عن قوله: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} [آل عمران: الآية ٥٥] من أوجه متعددة (¬١):
---------------
(¬١) انظر: ابن جرير (٦/ ٤٥٥)، القرطبي (٤/ ٩٩)، ابن كثير (١/ ٣٦٦)، أضواء البيان (١/ ٢٨٠).

الصفحة 398