كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

أولها: أنه أجمع أهل اللسان العربي الذي نزل به القرآن أن العرب تقول: «توفَّاه، يتوفاه» إذا قَبَضَه إليه كاملاً تامّاً، كما تقول العرب: توفيتُ دَيْني من فلان؛ أي: قبضته، ولكن إطلاق التوفي على خصوص قبض الروح دون البدن اصطلاح عُرْفِيّ لا لغوي، فالاصطلاح اللغوي: يطلق على التوفي وقبض الشيء ببدنه ورُوحِهِ جميعاً (¬١)، وإطلاقه على الروح دون البدن إطلاق عُرْفِيّ لا لُغَوِي، ومع أن المعروف في الأصل عند أكثر العلماء أن الحقيقة العرفية مقدمة على الحقيقة اللّغَوية (¬٢)، وأن الله إذا قال: توفى الله فلاناً. أن الأغلب الذي يسبق إلى الذهن أنها الروح دون الجسم؛ لأن هذا هو العُرْف، والعُرف ينسخ الحقيقة اللّغَوِيَّة، ولكن الحقيقة اللغوية هنا التي هي: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ}؛ أي: قابِضك إليَّ كاملاً، ورافعك إليَّ بروحك وجسمك، هذه الحقيقة اللغوية وإن كانت تقدم عليها العُرْفِيَّة التي هي (قبض الروح دون البدن) إلا أنها اعتضدت بأحاديث صحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فصارت حقيقة لغوية معتضدة بأحاديث متواترة، ولا إشكال في ذلك.
الثاني: أن الله لما أراد قَبْضَ عِيسَى إِلَيْهِ ألْقَى عليه النوم لئلا يزعجه الارتفاع إلى العالم العلوي، فقال: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} أي: مُنِيمُكَ وقابِضُكَ في نَوْمَه، والعرب تطلق الوفاة على النوم، وجاء في القرآن إطلاق الوفاة على النَّوْمِ في مَوْضِعَيْنِ:
---------------
(¬١) انظر: اللسان (مادة: وفى) (٣/ ٩٦١).
(¬٢) انظر: البحر المحيط للزركشي (٣/ ٤٧٣ - ٤٧٦)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٤٣٣ - ٤٣٦)، المذكرة في أصول الفقه ١٧٤ - ١٧٥، أضواء البيان (٣/ ١٠٠)، (٦/ ٥٢٢)، (٧/ ٢٦٨)، نثر الورود (١/ ١٥٦)، قواعد التفسير (١/ ١٥١).

الصفحة 399