كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
أحدهما: قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ} أي: يعني في النوم {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ} [الأنعام: الآية ٦٠].
الثاني: قوله في الزمر: {اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} أي: ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها {فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا المَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [الزمر: الآية ٤٢].
الجواب الثالث: أن الله نعم قال: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} [آل عمران: الآية ٥٥]، وهو متوفيه قطعاً يوماً ما، ولكنه لم يبين وقت ذلك التوفّي هل هو فيما مضى أو سيأتي بعد آلاف السنين؟ والتَّحَكُّم على الله بأنه أوقعه تَحَكُّم بلا دليل، والله متوفيه قطعاً وليس بمخلده، ولكن لم يُعَيِّن ذلك التوفي.
فإن قال قائل: هذا التوفي قبل الرفع؛ لأنه قال بعده: {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}.
فالجواب: أن جماهير علماء العربية أن الواو لا تقتضي الترتيب، وإنما تقتضي التشريك (¬١) فيجوز بإجماع أهل اللسان العربي أن يكون المعطوف بها سابقاً على المعطوف عليه، تقول: «جاء زيدٌ وعمرو» ويكون عمرو هو الأول؛ لأن الواو إنما تقتضي التشريك فقط؛ ولذا قال: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ} [الأحزاب: الآية ٧] فقدم النَّبِي، وعطف عليه نوحاً بالواو، ونوح قبل النبي، وهذا لا نِزَاعَ فِيهِ بَيْنَ العلماء.
---------------
(¬١) انظر: الصاحبي ١٥٦، البحر المحيط للزركشي (٢/ ٢٥٣)، شرح الكوكب المنير (١/ ٢٢٩)، مجموع الفتاوى (١٦/ ٧٧)، أضواء البيان (٧/ ٢٦٩).