كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
وإنما كانت الحقيقة اللغوية هنا مقدمة على العُرْفِيَّة -التي هي قبض الروح-[لأمرين] (¬١):
أحدهما: أن الله قد ثبت أنه رفع جسم عيسى إليه، والأحاديث الدالة المتواترة عن النبي أن الله رفع عيسى.
وعلى كل حال فالمعروف عن الذين قتلوه أنهم قتلوه بأن صلبوه، والله نفى هذا الصلب نفياً باتّاً، قال: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧) بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ} [النساء: الآيتان ١٥٧، ١٥٨] فنفى أنهم قتلوه نفياً يقيناً، وهم معذورون؛ لأنهم ظنوا أنهم قتلوه، والله بَيَّنَ السبب الذي جاءهم منه الكذب والغلط؛ لأنه قال: {وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء: الآية ١٥٧] لأن الله ألقى شبهه على رجل فصار مَنْ نظر إلى ذلك الرجل يجزم بأنه عيسى؛ لأن الله ألقى شبه عيسى عليه، فصار الناظر إليه لا يشك في أنه عيسى، فقتلوا ذلك الرجل وصلبوه، واعتقدوا أنه عيسى، فبَيَّنَ الله سَبَبَ كَذِبِهِم، وعُذْرهم في غلطهم فقال: {وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ} أما هو نفسه فَقَدْ رَفَعَهُ اللهُ إليه، وهو عند الله (جل وعلا)، وسينزل في هذه الأمة آخر الزمان، ويقتل الدَّجَّال، وهذا ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبوتاً لا مطعن فيه، وإن أحْيَا الله مَنْ أدْرَكَهُ من هذه الأمة سيجد أخبار الصادق المصدوق حقّاً، وسيجد خرافات الكذابين من أتْبَاعِ الإفرنج باطلاً؛ لأن الله أصدق من يقول، وهو يقول: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ} ويقول: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧) بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ} [النساء: الآيتان ١٥٧، ١٥٨]، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً} [النساء: الآية ١٢٢] {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً} [النساء: الآية ٨٧] الله أصدق من يقول.
---------------
(¬١) في الأصل: أمران.