كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

كذلك الصفات التي يسمونها السَّلْبية، والصفة السَّلْبِية في اصطلاح المتكلمين: هي التي لا تدل بدلالة المطابقة على معنى وجودِيٍّ، وإنما تدل على سَلْبِ ما لا يليق بالله عن الله، وهي عند المتكلمين خمس صفات (¬١)، وهي: البقاء، والقِدَم، والغِنَى المطلق- الذي يسمونه: القيام بالنفس، يعنون به: الاستغناء عن المحل والمُخَصَّص- والمخالفة للخلق، والوحدانية. أما القِدَم والبقاء: فالمتكلمون أثبتوهما لله، وقد قال بعض العلماء: إنه ورد في مثل ذلك حديث، وبعضهم ينفي صِحَّتَهُ، والمتكلمون يقصدون بهما معنىً صحيحاً؛ لأن القِدَمَ عِنْدَهُمْ: هو سَلْبُ الْعَدَمِ السَّابِقِ، والبقاء: هو سَلْب العدم اللاحق، زَاعِمِينَ أن الله أثبتهما لِنَفْسِهِ في قوله: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} [الحديد: الآية ٣] أي: الأول الذي لا ابتداء لأوَّلِيَّتِهِ، والآخِر الذي لا انتهاء لآخِرِيَّتِه. قالوا: هذا معنى القِدَمِ والْبَقَاءِ.
فنقول: القِدَم وَصفَ الله به المخلوقين، قال: {حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [يس: الآية ٣٩] {إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ} [يوسف: الآية ٩٥] {أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦)} [الشعراء: الآية ٧٦] والبقاء وَصَفَ به الحادث؛ حيث قال: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (٧٧)} [الصافات: الآية ٧٧] {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ} [النحل: الآية ٩٦] والوحدانية وَصفَ بها نفسه: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [البقرة: الآية ١٦٣] ووصف بعض المخلوقين بها قال: {يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ} [الرعد: الآية ٤] والغِنَى وَصَفَ به نفسه: {إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [إبراهيم: الآية ٨]،
---------------
(¬١) انظر: شرح المواقف ص ٢٩ فما بعدها، منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص ١٧.

الصفحة 405