كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

والوعيد، فأخْبِرْهُمْ أن ربك واسع الرحمة لمن أطَاعَهُ، يرحمه ويدخله جنته، شديد العقاب والنكال لمن عصاه؛ لأن مطامع العقلاء محصورة في أمرين: هما جلب النفع ودفع الضر، ومن أمثال العرب: (سَوْط وتمرة) (¬١) ليكون الخوف والرجاء جناحين يطير بهما الإنسان إلى امتثال أمر الله، هذا الملك الجبار الذي أدعوكم إليه رحيم عظيم الرحمة الواسعة لمن أطاعه، شديد النكال والبأس لمن عصاه، فعليكم أن تخافوا بأسه ونكَالَهُ، وتَطْمَعُوا فِي رَحْمَتِهِ فتطيعُوهُ.
قال بعض العلماء: ومن معاني قوله: {رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ} [الأنعام: الآية ١٤٧] حيث أمهلكم، وأغدق عليكم نعمه، وأعطاكم العافية والإمهال، وأنتم تكذبون رسله، وترتكبون مساخطه، وتتمردون عليه، فما أرحمه! وما أعظم لطفه (جل وعلا)! إلا أنه قال: {وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ المُجْرِمِينَ} إذا أراد بطشاً بقوم مجرمين لا يُرد بأسه عنهم، {بَأْسُهُ} أي: عذابه ونكَاله، لا يقدر أحد أن يَرُدَّهُ، لا بقوة ولا بشفاعة، ولا بغير ذلك، كبأس غيره من مُلُوكِ الدُّنْيَا الذي يُرَدّ بأسه بالقوة، ويُردّ بالشفاعة مِنْ غَيْرِ إذْنٍ، فهو إذا أراد بقوم سوءاً فلا مردّ له.
وكثيراً في القرآن أن يجمع اللهُ بَيْنَ الْوَعْدِ والوَعِيدِ، يَجْمَعُ بَيْنَ الخَوْفِ والطَّمَعِ، كقوله هنا: {ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ المُجْرِمِينَ} وقوله في آخر هذه السورة: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام: الآية ١٦٥]، {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ (٥٠)} [الحجر: الآيتان ٤٩، ٥٠]
---------------
(¬١) الذي وقفت عليه في كتب الأمثال: «تمرة وزنبور». كما في المستقصى في الأمثال للزمخشري (٢/ ٣٢)، معجم الأمثال العربية (١/ ٢٧٠)، (٢/ ٣١١).

الصفحة 407