كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

والجريمة: الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه العذاب (¬١) كالذين كفروا بالله وجعلوا له الشركاء وسَاوُوا به شركاءه، وحَرَّموا ما رزقهم افتراء عليه، وحرَّموا وحلَّلوا بالباطل، وفعلوا الفواحش، وقالوا: الله أمرنا بها، هؤلاء كلهم من القوم المجرمين.
{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)} [الأنعام: الآية ١٤٨].
هذه الآية الكريمة من معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه أخبر فيها عن أمر غيب، ثم تحقق ذلك الغيب طبقاً لما ذكر، قال: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ} ذكر أنهم سيقولونه في المستقبل، وهو أمر غيب، ثم بَيَّنَ الله أن إخباره عن ذلك الغيب وقع كما قال، بيّنه في (النحل) و (الزخرف)، حيث قال في (النحل): {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} [النحل: الآية ٣٥] وقال في (الزخرف): {وَقَالُوا لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم} [الزخرف: الآية ٢٠] فتحقق ما قال: إنهم سيقولونه (¬٢).
وهذه شبهة جاء بها الكفار -عليهم لعائن الله- وتمسّك بها المعتزلة، فهذه الآية محطّ رِحَال عند المعتزلة في أن العَبْدَ يخلق عمل نفسه بلا تأثير لقدرة الله فيها (¬٣) -سبحانه وتعالى عن قولهم وافترائهم- وكلام الزمخشري في هذه الآية في غاية الخبث والقبح؛
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (٥٥) من سورة الأنعام.
(¬٢) انظر: أضواء البيان (٢/ ٢٧٧).
(¬٣) مضى عند تفسير الآية (١٠٦) من هذه السورة.

الصفحة 409