كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
{وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: الآية ٧] فهو لا يَرْضَى بذلك الفِعْلِ، فهو أنْذَرَكُمْ وحَرَّمَهُ عَلَيْكُمْ، وإن ارْتَكَبْتُمُوه فلا يَرْضَى بذلك الفعل، بل يدخلكم به النار، وحاصل هذا: أن الكفَّارَ احْتَجّوا بأن الله قادر على أن يمنعَهم [من الوقوع فيما وقعوا فيه] (¬١) من الشرك وتحريم ما حَرّموا، دلَّ ذلك على أنه راضٍ بذلك، فالله كَذَّبَهُمْ فِي هذه وقال: إن عدم منعه لهم مع قدرته على ذلك لا يدل على رضاه؛ لأن الله (جل وعلا) يأمر خَلْقَهُ جميعاً بالدعوة، ويُوَفِّقُ مَنْ شَاءَ، وَيَخْذِلُ مَنْ شَاءَ، فالذي وفّقَه للخير يرضى بفعله، والذي لم يُوَفِّقْه للخير لم يرض الله (جل وعلا) بالكفر، والإرادة الكونية القدرية لا تستلزم الرضا (¬٢)،
فالله (جل وعلا) قد أراد كوناً وقدراً كُفْرَ الكَافِرِين؛ لأن الله يقول: {وَلَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكُواْ} [الأنعام: الآية ١٠٧] {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [السجدة: الآية ١٣] {وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} [الأنعام: الآية ٣٥] وهذا الكفر بمشيئته ولكنه ليس يرضاه، والإرادة الكونية القدرية لا تستلزم الرضا، وإنما يستلزم الرضا: الإرادة الشرعية الدينية، فما أحَبَّهُ الله شرعاً ورضيه ديناً وأراده ديناً هذا هو الذي يلازم الرِّضَا، أمَّا الإرَادَة الكونية القدرية فإنها لا تَسْتَلْزِم الرضا، فقد يريد الله كوناً وقدراً ما يَرْضَاهُ؛ كإيمان المؤمنين، وقد يريد كوناً وقدراً ما لا يرضاه ككفر الكافرين، وقد بَيَّنَّا احتجاج المعتزلة بهذا، وذكرنا بعض المناظرات التي توضح هذا (¬٣)، والحاصل أن الله تبارك وتعالى
---------------
(¬١) في هذا الموضع وُجد مسح في التسجيل. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٧٥)، شرح الطحاوية ص ٣٢٤ ..
(¬٣) راجع ما سبق عند تفسير الآية (٣٩) من سورة الأنعام.