كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

خلق خلقه، وسبق في سابق أزله أنَّ قَوْماً صائرون إلى الجنة، وقوماً صائرون إلى النار، ثم إن الله صرف بقدرته وإرادته قُدَرَهُم وإراداتهم إلى ما سَبَقَ بِهِ العِلْمُ الأزَلِيُّ، فأتَوْهُ طَائِعِينَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» (¬١).
وقَدْ بَيَّنَّا أنَّ عَبْدَ الجَبَّارِ المعتزلي لما جاء يَتَقَرَّب بهذا المذهب ويقول: «سبحان من تنزه عن الفحْشَاء!» يعني: أن الله لا يشاء السرقة والزنا؛ لأنهم يزعمون -في زَعْمِهِمُ البَاطِل- أن الله أكرم وأنْزَه وأجَلّ من أن تكون هذه القبائح بمشيئته؛ ولذا قال مُعَبِّراً عن هذا: «سبحان مَنْ تَنَزَّهَ عَنِ الفَحْشَاءِ!».
فناظره أبو إسحاق الإسفراييني فقال: «سُبْحَان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء!».
فقال عبد الجبار: «أتراه يشاؤه ويعاقبني عليه؟».
فقال أبو إسحاق: «أتراك تفعله جبراً عليه؟ أأنت الرب وهو العبد؟».
فقال عبد الجبار: «أرأيت إن دعاني إلى الهدى، وقضى عليَّ بالرَّدَى، دعاني إلى الخير، وأوضح لي طريق الخير، ولكن سدّ بابه دوني، أتراه أحسن إليَّ أم أساء؟!».
قال: «إن كان الذي منعك حقّاً واجباً لك عليه فقد ظلمك وقد أساء، وإن كان مُلكه المحض فإن أعطاك ففضل وإن منعك فعدل» فَبُهِتَ عَبْدُ الجَبَّارِ. وقال الحاضرون: «والله ما لهذا جواب» (¬٢).
---------------
(¬١) مضى تخريجه عند تفسير الآية (٣٩) من سورة الأنعام.
(¬٢) مضى عند تفسير الآية (٣٩) من سورة الأنعام.

الصفحة 413