كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

أحدهما: أن تُزاد لفظة (مِنْ) قبل النكرة التي هي فاعل، كقوله: {مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ} [القصص: الآية ٤٦] الأصل: ما أتاهم نذير.
أو أن تكون قبل المفعول، كقوله هنا: {وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} [الأنعام: الآية ١٤٨] الأصل: «ما حرمنا شيئاً». {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ} [الأنبياء: الآية ٢٥] أي: ما أرسلنا قبلك رسولاً.
الثالث: أن تُزاد قبل المبتدأ، نحو: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَاّ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [المائدة: الآية ٧٣] الأصل: وما إله إلا إله واحد، فزِيدَتْ قبلها (مِنْ) لتنقلها من الظهور في العموم إلى التنصيص الصريح في العموم.
قوله: {مِن شَيْءٍ} الشيء يطلق في اصطلاح الشرع على كل موجود حتى الله (جل وعلا) قد يطلق عليه اسم الشيء (¬١)، كما قال: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: الآية ٨٨]، وقال: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ} [الأنعام: الآية ١٩] والمعتزلة يَزْعُمُون أن الشيء يطلق على المعدوم، ومناقشاتهم في هذا لأهل السنة معروفة (¬٢)، والدليل على أن المعدوم ليس الشيء، ولا يطلق عليه اسم الشيء: آيات قرآنية كثيرة، كقوله: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} [مريم: الآية ٩] فنفى عن العدم أن يكون شيئاً، وكقوله: {أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} [مريم: الآية ٦٧] فنفى
---------------
(¬١) قال الإمام البخاري في صحيحه: «باب: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ} فسمى الله (تعالى) نفسه شيئاً، وسمى النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن شيئاً وهو صفة من صفات الله، وقال: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}». البخاري مع الفتح (١٣/ ٤٠٢).
(¬٢) مضى عند تفسير الآية (٩٦) من سورة الأنعام.

الصفحة 426