كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
{وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ} ولأجلِ أن ينقسموا إلى أشقياءَ وسعداءَ: صَرَّفْنَا هذا القرآنَ على هذا التصريفِ.
{وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ} أي: وليقولَ الكفارُ الذين خَذَلَهُمُ اللَّهُ ولم يُوَفِّقْهُمْ للعملِ به: {دَرَسْتَ} يَعْنُونَ درستَ هذا القرآنَ على غَيْرِكَ، وأخذتَه عن بعضِ البشرِ (¬١)، كما يأتي في قولِه: {إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} [النحل: آية ١٠٣] وقولِه: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ} إلى أن قال: {إِنْ هَذَا إِلَاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ} أي: يَرْوِيهِ محمدٌ عن غيرِه {إِنْ هَذَا إِلَاّ قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)} [المدثر: الآيات ١٨ - ٢٦]، وكقولِه: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَاّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} [الفرقان: آية ٤] وكقولِهم: {اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الفرقان: آية ٥] أي: ليقولَ مَنْ خَذَلَهُ اللَّهُ: دَرَسْتَ هذا القرآنَ، وأَخَذْتَهُ عن غيرِك مِنَ الْبَشَرِ، وتعلمتَه منه، كما قالوا: {إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} [النحل: آية ١٠٣] أي: لأَجْلِ أن يخذلَ اللَّهُ مَنْ خَذَلَهُمْ فيكذبوا بكتابِ اللَّهِ، وينكروا أنه منزلٌ من الله، ويزعموا أنه درسَه على غيره، وَأَخَذَهُ من بَشَرٍ.
هذا على قراءةِ نافعٍ وعاصمٍ وحمزةَ والكسائيِّ (¬٢).
أما على قراءةِ ابنِ كثيرٍ وَأَبِي عمرٍو: {وَلِيَقُولُوا دَارَسْتَ} فمعناه رَاجِعٌ إلى الأولِ، والمعنَى: دَارَسْتَ غيرَك من البشرِ، دَارَسْتَهُمْ فَدَارَسُوكَ، وقرأتَ عليهم وقرؤوا عليكَ، فَاسْتَعَنْتَ بهم حتى
---------------
(¬١) انظر: أضواء البيان (٢/ ٢٠٦).
(¬٢) في توجيه هذه القراءات انظر: حجة القراءات ٢٦٤، ابن جرير (١٢/ ٢٦)، القرطبي (٧/ ٥٨)، البحر المحيط (٤/ ١٩٧)، الدر المصون (٥/ ٩٦)، أضواء البيان (٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧).
الصفحة 68