كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

وهذه الآية أُطلقت فيها الوفاة على معناها العُرْفِيّ. واعلموا أن معنى (توفاه) تطلق في اللغة العربية إطلاقين (¬١): إطلاقا لغويّاً، وإطلاقا عرفيّاً.
أما إطلاقها اللغوي: فهو أخذ الشيء كاملاً بجميعه وافياً. تقول العرب: توفيت دَيْني: إذا أخذته وافياً كاملاً لا ينقص منه شيء. فكل شيء أخذته وافياً بتمامه فقد توفيته، وهذا معناها في اللغة العربية.
ومعناها في العرف: تقول العرب: توفاه الله. إذا قبض روحه وحدها دون جسمه. هذا معناها العرفي، وذلك معناها اللغوي.
والقاعدة المقررة عند جمهور الأصوليين: أن الحقيقة العرفية تُقدم على الحقيقة اللغوية ما لم يقم دليل يرجح الحقيقة اللغوية (¬٢).
وذكر بعض علماء الأصول عن أبي حنيفة -رحمه الله- أنه لا يقدم العرفية على الحقيقة اللغوية؛ لأن العرفية وإن ترجحت في الاستعمال فالحقيقية قد ترجحت بأصل الوضع (¬٣).
وهذا تترتب عليه مسألة غلط فيها كثير من الناس، وأضل الملحدون فيها كثيراً من الناس، وهي قضية عيسى ابن مريم (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام)؛ لأن الله عبر عنه بالوفاة [٦/ب] في قوله: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} [آل عمران: آية ٥٥] أما قوله (جلَّ وعلا) عنه:/ {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} [المائدة: آية ١١٧] من كلام عيسى يوم القيامة، ولا يأتي يوم القيامة إلا وعيسى قد مات قطعاً، لا نزاع في موته قبل يوم القيامة؛ لأن {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} من كلام عيسى يوم القيامة إذا قال له
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (١٤٦) من سورة الأنعام.
(¬٢) السابق.
(¬٣) انظر: شرح الكوكب المنير (٣/ ٤٣٥)، نثر الورود (١/ ١٥٦).

الصفحة 215