كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
وقوع الشيء محالاً، وهو أسلوب معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (¬١):
إذا شَابَ الْغُرَابُ أَتَيْتُ أهْلِي ... وَصَارَ القَارُ كاللَّبَنِ الحَلِيبِ
القار: الزفت، وهو لا يَبْيَضُّ أبداً، والغراب لا يشيب أبداً. ومنه قول بشر بن أبي خازم (¬٢):
فرَجِّي الخَيْرَ وانْتَظِرِي إِيابِي ... إِذَا مَا القَارِظُ العَنَزِيُّ آبَا
والقارظان العَنَزِيَّان لا يؤوبان أبداً. وهذا أسلوب عربي معروف. والتحقيق أن المراد بالجمل هنا هو الجمل المعروف من الإبل، وأن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم يضربون [المَثَل] (¬٣) في العظم بالجمل كما قال الشاعر (¬٤):
............................
جِسْمُ الجمال وأحلامُ العصافيرِ
وقال (جلَّ وعلا) في شرر النار: {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْر (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)} [المرسلات: الآيتان ٣٢، ٣٣] وفي القراءة الأخرى (¬٥): {كأنه جِمالات صفر} هذا هو التحقيق، وأن المعنى: أنهم لا يدخلون الجنة حتى يدخل الجمل -البعير- الضخم الكبير
---------------
(¬١) البيت في النكت والعيون للماوردي (٢/ ٢٢٣)، الدر المصون (٥/ ٣٢٠)، المغني لابن قدامة (١٠/ ٤٧٥).
(¬٢) البيت في القرطبي (٣/ ٥٠)، اللسان (مادة: رجا) (١/ ١١٣٨)، وفي (مادة: قرظ)، (٣/ ٦٣) وفيه مناسبة البيت والمُراد بالقارظين.
(¬٣) ما بين المعقوفين [] زيادة يقتضيها السياق.
(¬٤) البيت لحسان، وهو في ديوانه ص١٢٩، والمثبت في الديوان: «جسم البغال» وصدره: «لا بأس بالقوم من طول ومن عِظَم».
(¬٥) انظر: المبسوط لابن مهران ص٤٥٧.