كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

المتمردون، والذين يجاهرون بمعاصي الله -جلّ وعلا- لما بيَّن ما للعصاة والكفار من الوعيد، بين ما للمطيعين المؤمنين من الوعد الكريم، وجرت العادة في القرآن أن الله يجمع بين الوعد والوعيد؛ لأن مطامع العقلاء محصورة في أمرين هما: اجتلاب النفع، واجتناب الضر. فبين ما للمتقين من النفع يوم القيامة، وما للذين لم يتقوا من العذاب والنكال، ليكون الخوف والطمع حافزين للإنسان في دار الدنيا على طاعة الله. ومن أمثال العرب: (سوط وتمرة) (¬١) يعنون بالسوط: الشيء المؤلم الذي يُخاف. وبالتمرة: الشيء الحلو الذي يرغِّب، وهذا كثيرٌ في القرآن -الجمع بين الوعد والوعيد- كقوله: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ (٥٠)} [الحجر: الآيتان ٤٩، ٥٠] وكقوله: {حم (١) تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ الله الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)} [غافر: الآيات ١ - ٣] وكقوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} [الرعد: آية ٦] والآيات بمثل ذلك كثيرة.
{وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} [الأعراف: آية ٤٢] القاعدة المعروفة عند العلماء أن الإيمان إذا لم يعطف عليه العمل الصالح يشمل جميع خصال الدين من اعتقاديات وعمليات. فالإيمان على مذهب أهل السنة والجماعة قول وعمل، وإذا أُفرد الإيمان شمل جميع مسائل دين الإسلام من الاعتقاد والعمل (¬٢). وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أن الإيمان «بِضْعٌ -في بعض
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (١٤٧) من سورة الأنعام.
(¬٢) مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة الأنعام.

الصفحة 250