كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

آية ١٠٨] {عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: آية ١٠٨] {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ (٥٤)} [ص: آية ٥٤] لا يمرضون، ولا يشيبون، ولا يزول عنهم النعيم، بل هم في سرور ونعيم دائم، يتمتعون بأنواع المآكل، والمشارب، والمفارش، والمناكح، إلى غير ذلك ممَّا بَيَّنَهُ الله في آيات كثيرة. وقد قدمنا (¬١) أن الجنة في لغة العرب: البستان؛ لأن أشجاره الملتفة تجن الداخل فيه.
وجاء في القرآن إطلاق الجنة على البستان كقوله: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} [القلم: آية ١٧] وهي قصة بستان معروف في أطراف اليمن، كما يأتي في تفسير سورة القلم إن شاء الله. وكقوله جلّ وعلا: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} [الكهف: آية ٣٥] إلى غير ذلك من الآيات. ومن إطلاق العرب الجنة على البستان كما قدمنا قول زهير (¬٢):
كَأَنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَي مُقَتَّلَةٍ ... من النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا

يعني بقوله: «جنة»: بستان نخل. وقوله: «سُحُقا» جمع سَحُوق، والسَّحوق: النخلة الطويلة.
أما الجنة في اصطلاح الشرع: فهي دار الكرامة التي أعد الله لعباده المؤمنين، وهي شجرة مثمرة، ونهر مطَّرد، وغرفة عالية، وزوجة حسناء، ورضى لا سخط بعده، والمؤمنون فيها ينظرون إلى وجه الله الكريم، كما جاء في آيات وأحاديث صحيحة، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله. وهذا معنى قوله: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف: آية ٤٢] ومن أعظم السرور: الخلود؛
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (٧٦) من سورة الأنعام.
(¬٢) مضى عند تفسير الآية (٩٩) من سورة الأنعام.

الصفحة 259