كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

لأن أكبر ما يُنكد اللَّذائذ، وينغص اللذات، أن يعلم صاحبها أنه زائل عنها، وأنها زائلة عنه، فترى الإنسان في سرور متمتعاً بنسائه الحسان، وماله، ونعيمه، ولذاته في الدنيا، فإذا خطر على قلبه أنه يموت، وتنكح نساؤه بعده، وتقسم أمواله، تكدرت عليه تلك اللذائذ وبقي مهموماً؛ ولذا كان الخلود الأبدي وعدم الانقطاع هو ما تتم به اللذة في [الآخرة] (¬١)؛ ولذا قال الله: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} لا يزولون عنها أبداً، فلا تورث ديارهم من بعدهم، ولا تُنكح نساؤهم من بعدهم، ولا يصير ما عندهم من النعيم لأحدٍ بعدهم، هم خالدون في ذلك النعيم، وقد صدق من قال (¬٢):
أَشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي فِي سُرُورٍ ... تَيَقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُهُ انْتِقَالا
فالسرور إذا تيقن صاحبه الانتقال عنه صار عليه غمّاً. وقد أوضح هذا بعض الشعراء فقال (¬٣):
أُحِبُّ لَيَالي الهَجْرِ لَا فَرَحاً بِهَا ... عَسَى الدَّهْرُ يَأْتِي بَعْدَهَا بِوِصَالِ ...
وَأُبْغِضُ أَيَّامَ الْوِصَالِ لأَنَّنِي ... أَرَى كُلَّ وَصْلٍ مُعْقَباً بِزَوَالِ

فالفكرة بالزوال تُكَدِّرُ اللَّذَّات الحاضِرَة؛ ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرهم أن يكثروا من ذكر الموت، ويقال للموت: هاذم اللذات؛ لأن مَنْ تَذَكَّرَهُ ضَاعَتْ عليه لذته التي هو فيها؛ لأنه يقطعها؛ ولذا قال: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف: آية ٤٢] لا يزول عنهم ذلك النعيم حتى تتكدر غبطتهم به بزواله.
---------------
(¬١) في الأصل: «الدنيا»، ولعله سبق لسان.
(¬٢) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه (بشرح العكبري ٣/ ٢٢٤)، شواهد الكشاف ص١٠٠.
(¬٣) البيتان في كتاب ألف ليلة وليلة ص١٤٣٦.

الصفحة 260