كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
وقال بعض العلماء: ينشئهم النشأة الجديدة على فطرة سليمة خالية من الأحقاد. فظاهر الآية أنَّهُمْ يَوْمَ القيامة يبعثون وهو موجود فيهم، إلا أن الله يسله وينزعه منهم (¬١)، بدليل قوله: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} [الأعراف: آية ٤٣] وقد قال في سورة الحجر {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ (٤٧)} [الحجر: آية ٤٧] وهذا من أعظم كمال اللذات حيث يكون الإنسان خالداً مخلداً، وحيث يكون هو وإخوانه ورفقاؤه في ذلك النعيم ليس بين اثنين منهم شحناء، ولا عداوة، ولا حقد، ولا حسد، ولا مخاصمة، وكل هذا من كمال النعيم.
وقوله: {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ} [الأعراف: آية ٤٣] أعربه بعضهم حالاً، وبعضهم منع إتيان الحال هنا لأنه قال: {وَنَزَعنَا} فاعلها لا دخل له في الجملة فلا يمكن أن تكون حالاً، وبعضهم يقول: يصح أن تكون حالاً. فعلى أن الجملة حالية فلا إشكال، وعلى امتناع الحالية فيها -كما زعمه بعض علماء العربية- فهي كلام آخر مستأنف مما يعطيهم الله (¬٢).
{تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ} أي: من تحت قصورهم وغرفهم العالية {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ} سائلة. يقول بعض العلماء: أنهار الجنة تجري في غير أخدود (¬٣). ويذكرون أن المؤمن في غرفته العالية قد يشير إلى النهر تحته فيصعد إليه حتى يقضي منه حاجته. كما يأتي في تفسير قوله: {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)} [الإنسان: آية ٦]
---------------
(¬١) في هذه المسألة انظر: ابن جرير (١٢/ ٤٣٩)، ابن كثير (٢/ ٢١٥).
(¬٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٩٨)، الدر المصون (٥/ ٣٢٣).
(¬٣) انظر: ابن جرير (١/ ٣٨٤).