كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

أنه لما أدخل أهل الجنة الجنة حمدوا الله على نعمه، وذلك ذكره عنهم في مواضع كثيرة كقوله عنهم أنهم قالوا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)} [فاطر: الآيتان ٣٤، ٣٥] وقال عنهم هنا أنهم حمدوه أيضاً فقالوا: {الحَمْدُ لله} الحمد (¬١): معناه كل ثناءٍ جميل ثابت لله (جل وعلا)؛ لأنه يستحقه لذاته؛ ولأنه يستحقه علينا بما أنعم علينا حيث أدخلنا هذا النعيم الخالد الذي لا يزول.
{الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} أي: وفقنا للطريق التي ينال بها هذا الثواب العظيم وهو الجنة. نحمد الله على أن وفقنا في دار الدنيا، وهدانا إلى الإيمان به واتباع رسله حتى نِلْنَا بذلك العَمَلَ الصَّالِحَ هذا الجزاء المقيم، والنعيم العظيم. {الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} ثم قالوا: {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ} [الأعراف: آية ٤٣] هذه اللام هي التي تسمى في النحو بلام الجحود، وهي تؤكد النفي، تؤكد نفي هدايتهم لولا أن الله هداهم، وتسمى لام الجحود ولا تكون إلا بعد كونٍ منفي، نحو: ما كان، ولم يكن، والفعل منصوب بعدها بـ (أن) مضمرة (¬٢).
{وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ} إلى الطريق التي هذا ثوابها وجزاؤها {لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله} [الأعراف: آية ٤٣] المصدر المنسبك من (أن) وصلتها في محل رفع؛ لأن ما بعد (لولا) مبتدأ خبره محذوف غالباً.
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة الأنعام.
(¬٢) مضى عند تفسير الآية (٣٧) من سورة الأنعام.

الصفحة 266