كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
ناسٍ من المؤمنين ينادون من كانوا يعرفونهم في الدنيا من الكفار: يا أصحاب النار هل وجدتم ما وعد ربكم حقّاً؟ فنحن وجدنا ما وعدنا من النعيم حقّاً، فهل وجدتم ما كان يقال لكم من الوعيد بالعذاب حقّاً (¬١)؟
{وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا} (أَنْ) هذه كالتي قبلها في القول بأنها تفسيرية أو مخففة من الثقيلة. وقد ذكرنا الكلام عليها آنفاً (¬٢).
{أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا} من الجنة، والنعيم المقيم، والخلود الأبديّ في نعمِ الله، وجدناه حقّاً من الله، وصَدَقَنا وعده {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء} [الزمر: آية ٧٤] فوجدنا وعد الله بالنعيم، والخلود الأبدي في الجنة على ألسنة الرسل، وجدناه حقّاً، فهل وجدتم أنتم ما وعدكم ربكم من العذاب، والنكال، ودخول النار، هل وجدتموه حقّاً؟ وهذا سؤال توبيخ وتقريع وشماتة، والعياذ بالله. قالوا في ذلك الوقت معترفين حيث لا ينفع الاعتراف، نادمين حيث لا ينفع الندم: {قَالُواْ نَعَمْ} [الأعراف: آية ٤٤] وجدنا ما وعده الله من العذاب والنكال على ألسنة الرسل حقّاً، ووجدنا أن تكذيبنا به في دار الدنيا سفاهة منا وجناية على أنفسنا.
وقرأ هذا الحرف عامة القراء ما عدا عليّاً الكسائي {قَالُواْ نَعَمْ} بفتح النون والعين. وقرأه الكسائي وحده: {قالوا نَعِم} (¬٣) و (نَعَم)
---------------
(¬١) انظر: الألوسي (٤/ ١٢٢).
(¬٢) انظر: الدر المصون (٥/ ٣٢٥)، وراجع ما سبق عند تفسير الآية السابقة.
(¬٣) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٠٩.