كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
و (نَعِم) لغتان كلاهما تأتي بمعنى الأخرى على الصواب. و (نَعَم) لا تكون جواباً إلا لاستفهام مُثْبَت، ولا تكون جواباً لاستفهام منفي، فلو كانت الآية: «ألم تجدوا ما وعدكم ربكم حقاً؟» بالنفي لما جاز أن يجاب بـ (نعم) وإنما يجاب بـ (بلى) هذا هو المعروف؛ لأن المكان الذي تصلح به (بلى) لا تصلح به (نعم) والمكان الذي تصلح به (نعم) لا تصلح به (بلى). و (بلى) تأتي في اللغة العربية وفي القرآن العظيم لمعنيين لا ثالث لهما:
أحدهما: أن (بلى) تأتي لنفي النفي، فهي نقيضه (لا) لأن (لا) لنفي الإثبات، و (بلى) لنقيض النفي، فإذا جاء نفي في القرآن ثم جاءت بعده (بلى) فإن (لا) تنفي ذلك النفي، ونفي النفي إثبات. فيصير ما بعد (بلى) إثبات؛ لأنها نفت النفي الذي قبلها، ونفي النفي إثبات. وهذا كثيرٌ في القرآن، كقوله: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا} نفوا البعث بأداة النفي التي هي (لن) {قُلْ بَلَى} فنفى الله نفيهم للبعث، فثبت البعث؛ ولذا قال: {وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} [التغابن: آية ٧] وكقوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ} [سبأ: آية ٣] نفوا إتيان الساعة بحرف النفي الذي هو (لا)، قال الله: {بَلَى} [سبأ: آية ٣] فنفت نفيهم، وأثبتت إتيان الساعة؛ ولذا قال بعده: {لَتَأْتِيَنَّكُمْ} [سبأ: آية ٣] وهذا كثير في القرآن وفي كلام العرب.
المعنى الثاني: أن تأتي (بلى) جواباً لاستفهام مقترن بالنفي خاصة، لا لاستفهام إيجابي، كقوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى} [الأعراف: آية ١٧٢] {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى} [يس: آية ٨١] وهكذا. ولا يجوز أن يقال في هذا: نعم. أما إن كان السؤال بالإثبات فالجواب بـ (نعم) لا بـ (بلى) فلو