كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
قال تعالى: {قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} [الزمر: آية ٢٨] وقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (١)} [الكهف: آية ١] فسبيل الله ليس فيها عوج. والسبيل التي يبغيها الكفار {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} [الأعراف: آية ٤٥] أي: معوجة ذات عوج، عوجاء غير مستقيمة لما تدعو إليه من الكفر بالله، وادعاء الشركاء والأولاد له. وهذا معنى: {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً}.
{وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ} [الأعراف: آية ٤٥] وهم مع ذلك كافرون بالآخرة، جاحدون بها.
{بِالآخِرَةِ}: هي الدار الآخرة، وقد بينا مراراً (¬١) أنها إنما سُميت آخرة لأنها ليس بعدها مرحلة أخرى.
ويجب على كل إنسان أن ينظر في مراحله، وتاريخ مراحله، حتى يفهم الآخرة؛ لأن الله أمره بذلك حيث قال: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ (٦)} [الطارق: الآيتان ٥، ٦] فاعلم أيها المسكين - الذي هو الإنسان - أن أول مراحلك تراب بلَّه الله (تبارك وتعالى) بماء فصار ذلك التراب طيناً، ثم بعد أن صار طيناً ونقله الله من طَور إلى طور خُمِّر حتى [صار] (¬٢) طيناً لازباً، وتغيرت ريحه حتى صار حمأ، ثم إنه يَبِسَ حَتَّى صَارَ صلصالاً، ثم إن الله نفخ فيه الروح، وجعله بشراً سَوِيّاً خلق منه آدم، جعله ذا جسد ودم ولحم، ثم إنه خلق من ضلعِه امْرَأَتَهُ حَوَّاء، كما قال: {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} قال في الأعراف: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (٩٢) من سورة الأنعام.
(¬٢) ما بين المعقوفين [] زيادة يقتضيها السياق.