كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

لأن ليس بعدها محطة أخرى يُنتقل إليها. وهذا إيضاح معنى (الآخرة).
وقوله: {كَافِرُونَ} أي: جاحدون. أصل الكفر في لغة العرب هو: الستر والتغطية، وكل شيء سترته وغطيته فقد كفرته. وهذا معروف في كلام العرب، ومنه قيل للزراع: كُفَّار؛ لأنهم يكفرون البذر في بطن الأرض، يسترونه ويغطونه. وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول لبيد في معلقته (¬١):
يَعْلُو طَرِيقَةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرٌ ... فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا

يعني: سترها وغطاها غمامُها. ومن هنا قيل للَّيل: كافر؛ لأنه يكفر الأجرام ويغطيها بظلامِهِ ومنه قول لبيد في معلقته (¬٢):
حتى إذا ألقتْ يداً في كافرٍ ... وأَجَنَّ عَوْرَاتِ الثغُورِ ظَلامُها

كما هو معروف، وإنما سُمي الكافر كافراً لأنه يجحد نعم الله، ويجحد آياته، ويريد أن يغطيها بالجحود والكفر والعياذ بالله. وهذا معنى قوله: {وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ} [الأعراف: آية ٤٥].
قال تعالى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧) وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩) وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله قَالُواْ
---------------
(¬١) شرح القصائد المشهورات (١/ ١٥٢).
(¬٢) شرح القصائد المشهورات (١/ ١٦٦).

الصفحة 282