كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

الكرام، أنهم جاءوا لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأن الله أجلسهم على هذا المكان المرتفع ليشرفوا على أهل النار وأهل الجنة على سبيل النزهة والتمتع بمعرفة أخبار الجميع، وما صار إليه أهل النار وأهل الجنة.
والذين قالوا هذا القول اختلفوا فيهم اختلافاً كثيراً، بعضهم يقول: ملائكة. وهذا لا يساعده ظاهر قوله: {رِجَالٌ} لأن الملائكة لا يُسَمَّوْن رجالاً. واحتجوا بقوله: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً} [الأنعام: آية ٩] أنهم في صفة الرجال، أو أنهم أنبياء، أو أنهم الشهداء، إلى غير ذلك.
وزعم بعضهم أنهم مؤمنو الجن. كما ذكرنا أن العلماء اختلفوا في المؤمنين من الجن هل يدخلون الجنة (¬١)؟ فزعم بعضهم أن المؤمنين من الجن لا يدخلون الجنة، وإنما جزاؤهم الإجارة من العذاب الأليم كما صرحوا به في قوله تعالى عنهم في سورة الأحقاف عن الجن حيث قالوا: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ الله وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)} [الأحقاف: آية ٣١] ولم يقولوا: يدخلكم الجنة. قالوا: فعلموا أنهم إن أجابوا داعي الله وأطاعوه كان جزاؤهم غفران الذنوب، والإجارة من العذاب الأليم، قالوا: وربما سمى الله الجن رجالاً أيضاً كقوله: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ} [الجن: آية ٦] وقد قدمنا أن التحقيق أن المؤمنين من الجن يدخلون الجنة كالمؤمنين من الإنس، وأنه دل عليه بعض الآيات، كقوله مخاطباً للجن والإنس معاً: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)}
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (٣٨) من سورة الأنعام.

الصفحة 287