كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

فالشاهد أن (حياك الله) أي: أطال الله حياتك. طول الحياة لا يستلزم الخير؛ لأنه ربما يكون في حياة مزعجة قَلِقَةٍ يَتَمَنَّى أنْ يَمُوتَ، فالموت خير منها، كما جاءت الأحاديث الصحيحة المتفق عليها أنه في آخر الزمان يأتي الرجل قبر أخيه فيتمَنَّى كل المُنى أن يكون مكانه ميتاً؛ قَلَقاً من حياته، وإيثاراً للراحة منها من كثرة الفتن، والعياذ بالله (¬١).
هذا معنى {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} أي: سلمكم الله سلاماً. فالسلام اسم مصدر (سلَّم) وقد تقرر في علم العربية (¬٢) أن (فَعَّل) مُضعَّفة العين قياس مصدرها (التفعيل) إلا إذا كانت معتلة اللام أو مهموزته فالقياس في مصدرها (التَّفْعِلة) ويكثر إتيان (الفَعَال) بدلاً من (التفعيل) اسم مصدر، كما تقول: سلَّم عليه سلاماً؛ أي: تسليماً. وكلَّمَهُ كلاماً؛ أي: تكليماً. وبين له الأمر بياناً؛ أي: تبييناً. وطلّق امرأته طلاقاً؛ أي: تطليقاً. ومنه (السلام) لأنه مصدر (سلَّم) فمعنى (سلام عليكم) سلمكم الله من جميع الآفات، وهذه تحية عظيمة، وإنما ساغ الابتداء بالنكرة هنا لأنها في معرض الدعاء.
{وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} [الأعر اف: آية ٤٦].
(أنْ) هذه كاللواتي قبلها التي ذكرنا احتمال كونها مخففة من الثقيلة، أو أنها تفسيرية. فعلى أنها مخففة من الثقيلة فاسمها ضمير الشأن المستكن، وخبرها جملة المبتدأ والخبر. وعلى أنها تفسيرية
---------------
(¬١) السابق.
(¬٢) انظر: التوضيح والتكميل (٢/ ٧٧ - ٧٩).

الصفحة 291