كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

ثم قال تعالى: {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ} [الأعراف: آية ٤٧] {صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ} معناه قلبت عيونهم {تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ}، إلى جهة أصحاب النار ومقابلتهم حتى يروهم. والعبارة بقوله: {صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ} تدل على أن الله هو الذي صرف أبصارهم إليهم، وأنهم ما كانوا يحبون النظر إليهم اختياراً لشدة الهول وفظاعة الأمر - والعياذ بالله - {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ} أي: قُلبت أبصارهم تجاه أهل النار ونظروا ما هم فيه من العذاب - والعياذ بالله - وما هم فيه من سوء الحال، واسوداد الوجوه، وتغيير الخلقة، وإحراق النار لهم، تَعَوَّذوا بالله من النار ومن شَرِّهَا، وتضرعوا ملتجئين إلى الله أن لا يجعلهم من أهل النار، قالوا: {رَبَّنَا} يا خالقنا وسيدنا ومدبر شؤوننا أعذنا من النار و {لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأعراف: آية ٤٧] أي: لا تصيرنا مع القوم الظالمين. يعنون: أصحاب النار. وقد قدمنا أن (القوم) اسم جمع لا واحد له من لفظه، يطلق بأصل الوضع العربي على خصوص الذكور، وربما دخل فيه الإناث بحكم التبع (¬١) والدليل على إطلاقه بالأصالة على الذكور دون الإناث قوله تعالى: {لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ} [الحجرات: آية ١١] فعطفه النساء على القوم يدل على أنهن لم يدخلن فيهم بحسب الوضع. ومن ذلك قول زهير (¬٢):
وما أدري وسوفَ إِخَالُ أَدري ... أَقَومٌ آل حصنٍ أم نساءُ
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (٨٠) من سورة الأنعام.
(¬٢) السابق.

الصفحة 293