كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
فجعل النساء غير القوم. والدليل على دخول النساء في القوم بحكم التبع قوله تعالى في ملكة سبأ (بلقيس): {وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ الله إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)} [النمل: آية ٤٣] فصرح أنها من قوم. دخلت في اسم القوم بحكم التبع.
ومعنى: {الظَّالِمِينَ} قد قدمنا أن الظلم يطلق على الكفر، وهو أعظم أنواعه؛ لأن الظلم: وضع الشيء في غير موضعه (¬١)، وأنه يطلق على ظلم دون ظلم، كظلم المسلم لنفسه. والظاهر أنهم يعنون الكفار، والكفار هم رؤساء الظالمين، كما قال تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: آية ٢٥٤] وقال: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: آية ١٣] وقال جل وعلا: {وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ الله مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)} [يونس: آية ١٠٦] وثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم فسَّر قوله: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} [الأنعام: آية ٨٢] قال: بشرك (¬٢). وقد قدمنا أن كل من وضع شيئاً في غير موضعه فقد ظلم، وأن أكبر أنواع الظلم وضع العبادة في غير الخالق؛ لأن أكل الإنسان رزقه ونعمه وتقلبه في فضله وهو يعبد غيره وضع للعبادة في غير موضعها. وذلك معروف في كلام العرب، فكل من وضع شيئاً في غير موضعه تقول له العرب: ظالماً، وقد ذكرنا مراراً أنهم يسمون الذي يضرب لبنه قبل أن يروب (ظالماً) لأنه وضع الضرب في غير موضعه؛ لأن ضربه قبل أن يروب يضيع زبده، فهو ضرب في غير موضعه، فهو ظلم (¬٣).
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة.
(¬٢) السابق.
(¬٣) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة.