كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

وهذا معروف في كلامهم. وفي لُغَز الحريري في مقاماته: «هل يجوز أن يكون الحاكم ظالماً؟ قال: نعم إذا كان عالماً» (¬١) يريد أن القاضي إذا كان يضرب لبنه قبل أن يروب لا مانع من أن يُستقضى إذا كان من أهل العلم، وهو معروف كثير في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (¬٢):
وَقَائِلَةٍ ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائِي ... وَهَلْ يَخْفَى عَلَى العَكَدِ الظَّلِيمِ

والعَكَد: عَصَب اللسان. ويُروى: «على العكَد الظليم» ومنه قول الآخر في سقاء له من اللبن صبَّه وسقاه قومه قبل أن يروب (¬٣):
وَصَاحِبِ صِدْقٍ لَمْ تَرُبْنِي شكَاتُهُ ... ظَلَمْتُ وَفِي ظَلْمِي لَهُ عَامِداً أَجْرُ
ومنه قيل للأرض التي حُفرت وليست محل حفر: (مظلومة)، وقيل للتراب الذي يستخرج من حفر القبر: (ظليم) لأنه حَفرٌ في غير محل الحفر، لم يحفر قبل هذا، ولم يكن معهوداً لأن يحفر لاستخراج ماء ونحوه. ومِنْ إِطْلاقِهِ عَلَى الأرض التي حُفِرَتْ ولَيْسَتْ محلاًّ للحَفْرِ قَوْل نابغة ذبيان (¬٤):
إلا الأوَاريَّ لأْياً ما أُبَيِّنُها ... والنُّؤْيُ كَالحَوْضِ بالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ

أي: بالأرض المظلومة المحفور فيها وهي ليست محلاًّ للحفر؛ لأن الحفر وُضع في غير موضعه. وهذا هو المعنى الصحيح، خلافاً لمن زعم أن المظلومة هي التي تأخر عنها المطر، ومنه قيل
---------------
(¬١) السابق.
(¬٢) السابق.
(¬٣) السابق.
(¬٤) السابق.

الصفحة 295