كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
لتراب القبر (ظليم) لأن حَفْرَه ليس في محل الحَفْر عادة قبل ذلك. ومنه قول الشاعر يصف ميتاً مدفوناً في قبره مردوداً عليه تراب القبر (¬١):
فَأَصْبَحَ فِي غَبْرَاءَ بَعْدَ إِشَاحَةٍ ... مِنَ الْعَيْشِ مَرْدُودٌ عَلَيْها ظَليمُها
وهذا معنى معروف في كلام العرب: فأكبر أنواع الظلم وضع العبادة في غير موضعها وهو الكفر بالله {وَالكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: آية ٢٥٤] وفيه ظلم دون ظلم، كالذي يطيع الشيطان ويعصي الله معتقداً أنه فاعل معصية، وأنه مرتكب قبيحة؛ لأن هذا من عصاة المسلمين الذين إن شاء الله غفر لهم، وقد ذكرنا أن الظالم لنفسه من جملة المؤمنين الذين يدخلون الجنة؛ لأنه يخلط العمل الصالح والعمل السيئ، فقد يتوب الله عليه.
ومعنى قوله: {لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} أي: لا تَصَيِّرْنَا مع أهل النار في ذلك العذاب الشديد والإهانة العظيمة -والعياذ بالله- وهذا معنى قوله: {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ} [الأعراف: آية ٤٧] في هذا الحرف ثلاث قراءات سَبْعِيَّات (¬٢):
قرأه قالون عن نافع، والبزي عن ابن كثير، وأبو عمرو في جميع الروايات: {تلقَا أصحاب النار} [الأعراف؛ آية ٤٧] بحذف إحدى الهمزتين مع المد بناءً على أن المحذوفة الأخيرة، ومع عدم المد بناء على أن المحذوفة الأولى.
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة.
(¬٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص (١٢٥ - ١٢٦)، الإتحاف (١/ ١٩٣)، (٢/ ٤٧، ٥٠).