كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

وقوله: {جَمْعُكُمْ} هو ما كنتم تجمعون في دار الدنيا من الأموال، وما كنتم تتخذونه من الجمع المُؤَيِّد من الأولاد والأعوان، كل ما كنتم تجمعونه في الدنيا من الأموال، وتتخذون من الأعوان والأولاد، كل ذلك لم يُغْن عنكم شيئاً، لم ينفعكم بشيء، ولم يدفع عنكم شيئاً؛ إذ أنتم في دركات النار والعياذ بالله.
{وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} (ما) مصدرية. أي: ولم يغن عنكم كونكم مستكبرين في الدنيا متكبرين متعاظمين، لم يغن عنكم ذلك الاستكبار والتعاظم شيئاً؛ لأنكم صِرْتُمْ إلى دركات النار. وبعض المفسرين يزعم أنهم ينادون الرؤساء بأسمائِهِمْ فيقولون: يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا فلان بن فلان، يا عتبة بن ربيعة، يا فلان بن فلان {مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} توبيخاً وتقريعاً لهم والعياذ بالله.
وظاهر القرآن أن هذا التوبيخ والتقريع من أصحاب الأعراف لهؤلاء الذين هم في النار، وأصحاب الأعراف يعرفون أهل الجنة وأهل النار، ولا مانع من أن الله يُطْلِع مَنْ فِي الجَنَّة على مَنْ في النار كما سيأتي في قوله: {أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء} [الأعراف: آية ٥٠] وستأتي قصة الرجل في سورة الصافات (¬١)؛ لأن الله ذكر في الصافات قصة رجل وأجملها، والمفسرون يبسطونها ويشرحونها، إلا أن شرحهم لها وبسطها من القصص الإسرائيلية التي لا يعوَّل عليها، إلا أن القرآن جاء بقدر منها كاف. زعموا أنه كان رجلان في دار الدنيا شريكين ولهما مال عظيم، فاقتسما المال، وكان أحدهما مسلماً
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (٥٣) من سورة الأنعام.

الصفحة 299