كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
{يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَّدِّقِينَ (٥٢)} {لمن المُصَّدِقين} (¬١) {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ (٥٤)} أي: مطلعون معي لننظر مصيره {فَاطَّلَعَ} أي: فاطلع هو، أي: صاحبه المؤمن من الجنة إلى النار {فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَالله إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)} [الصافات: الآيات ٤٨ - ٥٧].
وقصة هذا الرجل التي ذكرناها استطراداً تدل على المباعدة من قرين السوء؛ لأن هذا الرجل المؤمن الكريم حلف بالله وهو في الجنة أن قرينه قرين السوء كاد أن يهلكه ويلقيه في النار حيث قال: {قَالَ تَالله إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)} أي: معك في النار؛ ولذا قال جل وعلا: {وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ} [الأعراف: الآيتان ٤٨، ٤٩].
واختُلف في قائل هذا القول (¬٢)، فظاهر القرآن أنه من بقية كلام أصحاب الأعراف، يوبخون رؤساء أهل النار، ويقولون لهم: أهؤلاء الضعفاء المساكين الذين كنتم تسخرون منهم في الدنيا، وتستهزئون بهم، وتضحكون منهم، وتقولون: الله أعظم من أن يعبأ بهؤلاء، والله لا يدخلهم جنة، ولا يدخلهم نعيماً أبداً {أَهَؤُلاء} الضعفاء المساكين الذين كنتم تستهزئون بهم في الدنيا وتسخرون منهم وتُقسمون - تحلفون بالله - {لَا يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ} ماذا قال لهم الله؟ قال لهم: {ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} [الأعراف:
---------------
(¬١) القراءة بتشديد الصاد من (المُصَّدِقين) رواية عن حمزة، كما في القرطبي (١٥/ ٨٢)، البحر المحيط (٧/ ٣٦٠)، الدر المصون (٩/ ٣٠٨).
(¬٢) انظر: ابن جرير (١٢/ ٤٦٩)، القرطبي (٧/ ٢١٤).