كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
آية ٤٩] وعلى هذا فيكون أصحاب الأعراف قد وبَّخوا رؤساء الكفر والقادة بأنهم لم يغن عنهم تكبرهم في الدنيا وجمعهم، وأن الضعفاء المساكين الذين كانوا يسخرون منهم أحلّهم الله دار كرامته، ونفى عنهم الخوف والحزن أبداً.
وقال بعض العلماء: {أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ} هي من كلام الله يوبخ بها الكفار، أو من كلام بعض الملائكة أمره بذلك، وأن قوله: {ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ} راجعه إلى أصحاب الأعراف، أن أصحاب الأعراف بعد أن وبَّخوا أهل النار وهم بين الجنة والنار يطمعون أنه بعد ذلك يرحمهم الله فيتفضل عليهم، ويقول لأصحاب الأعراف: {ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} وهذا الوجه الأخير ذكره جماعة كثيرة من المفسرين، والأول أظهر، وإن كان القائل بهذا الأخير كثيراً جدّاً من علماء التفسير.
والجنة هي دار الكرامة التي أعد الله لأوليائه.
{لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ} قد بيَّنَّا (¬١) أنَّ الخوف في لغة العرب هو: الغم من أمر مستقبل ... - أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منه - وأن الحَزَن - يُسمى (حَزَناً) ويسمى (حُزْناً) وفعله يأتي على (حَزَنَ وحَزِن) ومضارعه يأتي على (يَحزِن) و (يَحْزُن) - أنه والعياذ بالله - غم من أمر فائت. تقول: فلان حزين، إذا أصابته مصيبة وكان حزيناً من أمر قد مضى ووقع. وتقول: فلان خائف: إذا كان مغموماً من أمر يتوقعه ولم يأت بعد. هذا أصل الخوف والحزن في لغة العرب -أعاذنا الله منهما- وربما وضعت العرب أحدهما في موضع الآخر فعبرت
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة الأنعام.