كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
المرفوعات من كلام العرب قول لبيد بن ربيعة في معلقته (¬١):
فَعَلا فُرُوعُ الأَيْهُقَانِ وأَطْفلَت ... بالجَلْهَتين ظِباؤُها ونَعَامُها
لأن النعام لا يُطْفِل، وإنما هو يبيض حتى بعد ذلك ينفلق البيض عن الأطفال. هكذا قال بعضهم، والتحقيق أن إفاضة الشيء وإلقاءه بكثرة قد يكون في المائعات وغير المائعات، وقد أطلقه الله على الآدميين المفيضين من عرفات وهم ليسوا من المائعات، كما قال: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: آية ١٩٩] {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ} [البقرة: آية ١٩٨] والعرب تقول: «أفاض علينا من طعامه، وأفاض علينا من رزقه». إذا أكثر، كما هو معروف. فلا حاجة إلى هذا التقدير الذي ذهب إليه كثير من المفسرين.
{أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله} من مآكل الجنة ومشاربها، يطلبونهم ويستجدونهم. قال بعض العلماء: يسألون مع اليأس. وقال بعضهم: لهم طمع لشدة ما هم فيه. فأجابهم المؤمنون في الجنة، فقالوا: {إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا} أي: الشيئين اللذين [سألتم] (¬٢)، وهما: الماء وما رزقنا الله من نعيمه غير الماء.
{حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} [الأعراف: آية ٥٠] والتحريم هنا تحريم كوني قدري، أي: منعهما من الكافرين؛ لأن التحريم يُطلق
---------------
(¬١) شرح القصائد المشهورات (١/ ١٣٢). وقوله: «الأيهُقَان» جمع أَيهُقانة، وهو الجرجير البري. وقوله: «وأطفلت» أي: كثُر أطفالها. والجلهتان: جانبا الوادي. والمعنى: أن الشاعر يصف دياراً خلت من أهلها فنما فيها الجرجير البري وارتفع وكثر أولاد الوحش بها لأمنها فيها.
(¬٢) في الأصل: «سألتما».