كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)} ولذا قال هنا: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ} أي: الخلائق الذين كنا نَقُصُّ خبرَهم؛ لأن بعضَهم في الجنةِ وبعضَهم في النارِ. فَعَلَى هذا القولِ فـ (الكتاب) جنسُ الكتبِ السماويةِ. والأظهرُ أن الْمُخَاطَبِينَ به المرادين به أمةُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وأن الكتابَ هو هذا القرآنُ العظيمُ.
{وَلَقَدْ جِئْنَاهُم} أي: جئنا هذه الأمةَ التي دخل بعضُها الجنةَ وبعضُها النارَ.
{بِكِتَابٍ} أَنْزَلْنَاهُ على نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم. وقراءةُ الجمهورِ من السبعةِ بل والعشرةِ: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ} أما قراءةُ: {ولقد جئناهم بكتاب فَضَّلْنَاهُ} أي: على سائرِ الكتبِ، فليست من القراءاتِ السبعيةِ، وقرأ بها ابنُ محيصن وغيرُه (¬١). وهي -وإن كانت شاذةً- فمعناها صحيحٌ؛ لأنه مُفَضَّلٌ على سائرِ الكتبِ.
وقراءةُ الجميعِ: اللامُ موطئةٌ للقَسَمِ، وَاللَّهِ ما تركناهم سُدًى ولا في غفلةٍ، وَاللَّهِ لقد جئناهم بكتابٍ. يعني: أَتَيْنَاهُمْ بكتابٍ. قدمنا أنه قيل له (الكتاب) لأنه مكتوبٌ في اللوحِ المحفوظِ، كما قال: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ (٢٢)} [البروج: الآيتان ٢١، ٢٢] وفي صحفٍ عِنْدَ الملائكةِ، كما في قولِه: {فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (١٣) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ (١٤)} [عبس: الآيتان ١٣، ١٤] وكذلك هو مكتوبٌ عندَ المسلمين في مصاحفِهم يقرؤونه.
{بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ} صِيغَةُ الجمعِ للتعظيمِ، وَاللَّهُ هو الآتِي بهذا
---------------
(¬١) انظر: الإتحاف (٢/ ٥١).

الصفحة 316