كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

الذي جَرَّهُمْ إلى ذلك أنَّ القرآنَ أعظمُ نُورٍ، وَاللَّهُ يُسَمِّيهِ النورَ في آياتٍ كثيرةٍ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا (١٧٤)} [النساء: آية ١٧٤] {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا} [التغابن: آية ٨] على عَبْدِنَا {وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: آية ٥٢] فهو نورٌ أعظمُ نورٍ، وهؤلاء الذين ينصرفونَ عنه إلى النُّظُمِ الوضعيةِ الكافريةِ في الحقيقةِ هم خفافيشُ البصائرِ، والخفاشُ لا يُلَامُ إذا كان لا يمكنُ أن يَرَى ضوءَ الشمسِ؛ لأن بصيرتَه ليس لها استعدادٌ ولا قوةٌ على مقابلةِ الشمسِ.
مِثْلَ النَّهَارِ يَزِيدُ أَبْصَارَ الْوَرَى ... نُورًا وَيُعْمِي أَعْيُنَ الْخُفَّاشِ (¬١) ...
خَفَافِيشُ أَعْمَاهَا النَّهَارُ بِضَوْئِهِ ... وَوَافَقَهَا قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمُ (¬٢)

كَمَا أشارَ اللَّهُ لهذا بقولِه: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} [البقرة: آية ٢٠] وَبَيَّنَ (جل وعلا) في سورةِ الرعدِ أن هذا القرآنَ لا ينصرفُ عنه ويجهلُ أحقيتَه وأمرَه إلا مَنْ أَعْمَى اللَّهُ بصيرتَه بالكليةِ، والأعمى إذا كان لا يبصرُ الشمسَ فما في تَبْصِيرِهِ لها حيلةٌ وذلك في قولِه: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} [الرعد: آية ١٩] فَصَرَّحَ بأن الذي لا يعلمُ أنه الحقُّ أن الذي مَنَعَهُ من ذلك هو عَمَاهُ، وعدمُ رؤيةِ الأَعْمَى للشمسِ لا يجعلُ في الشمسِ لَبْسًا ولا شَكًّا ولا ريبًا:
إِذَا لَمْ تَكُنْ لِلْمَرْءِ عَيْنٌ صَحِيحَةٌ ... فَلَا غَرْوَ أَنْ يَرْتَابَ وَالصُّبْحُ مُسْفِرُ (¬٣)
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (١٢٨) من سورة الأنعام.
(¬٢) السابق.
(¬٣) السابق.

الصفحة 319